أنت هنا
لم أكتب يوما شعرا فى البحر فأنا من أبناء القاهرة القديمة تلك المرصع
جبينها بمختلف فنون العمارة الإسلامية ,والمحفور على جسدها النحيل أشعار الصوفية
وترانيم الكنيسة العتيقة القابعة فى أطرافها . لكنى عشقت البحر عندما زرت
الأسكندرية للمرة الأولى ...الأسكندرية تلك الفتاة التى تكبرنى بنحو ألفين وخمسمئة
عام إلا أنها مازالت فتاتى القادرة على منحى القدر الأكبر من السعادة كلما تنسمت
عبيرها أولاحت صورتها فى خيالى وضفائرها الممتدة عبر البحر تطوى الأمواج طيا ...آه
يا أسكندريتى لم أكن أعرف أن لك أخوات يمتلكن قبسا من نورك قادرات –رغم البعد- على
إستحضار جمالك الآخاذ ...هذه هى المرة الأولى التى أركب فيها البحر وأعبر (للشط
التانى) حيث إختلاف اللسان والطبائع وإتفاق زرقة البحر وخفة الدم...
الدعوة جاءتنى من منظمة
"جرين بيس" أو السلام الأخضر- كم هو جميل هذا الأسم- والدعوة للطواف
على شواطئ البحر الأبيض المتوسط ضمن حملة "دفاعا عن متوسطنا "لقد أدركت
المنظمة التى لم يتجاوز عمرها العقود الأربعة أن إستمرار الإهانات الموجهة للبحر
الأبيض المتوسط سواء من أبنائه أو من الغرباء على هذا النحو لن يجلب سوى المزيد من
التدهور فى أحواله ما يعنى ربما قريبا جدا إنقراض بعض أنواع الأسماك التى تتخذه
بيتا دائما أو تلك التى تعتبره فندقا تقيم فيه لشهور ثم تشد الرحال إلى موطنها
الأصلى ليس ذلك فحسب بل ربما يصبح ما
يحويه باطن المتوسط من ثروات أثرا بعد عين.
لقد أدركت جرين بيس هذا ورفعت شعارها "دفاعا عن متوسطنا ". نعم
هو متوسطنا، هو أسكندريتى الجميلة وأخواتها ممن شربن من ذات النبع لكن وياللعار!
لانعرف كيف نحمى من نحب. إننا نشارك فى الإهانة طالما نقف صامتين أمام من يوجهها
لمتوسطنا...
الطريق إلى الإلتحاق بحملة جرينبيس زينه شباب وفتيات من جنسيات
مختلفة آمنوانبل ما يقومون به وأصطفوا معا
داعين الجميع لمشاركتهم ...
فى إسبرانزا تلك التى يسمونها سفينة وأدعوها مدينة النبلاء، كان لقائى
الأول بأعضاء جرينبيس من العاملين أو المتطوعين جميعهم أخذوا من البحر جماله
وبهائه وتخلوا عن عمد عن قسوته وجبروته... شاركتهم ساعات العمل ودقائق الترفيه،
كانوا فى الحالتين ودودين إلى أبعد حد.
جيفين المصور الماهر الذى تتحرك الكاميرا فى يديه فى دعة مؤدية ما يطلبه
منها سواء كان معلقا فى الهواء بجوار قائد الطائرة الهليكوبتر أو سابحا تحت
الأعماق ينوء ظهره بما يحمله من معدات الغوص لإلتقاط صور لمزارع التونة أو عمليات
صيدها غير المشروعة فى أغلب الأحيان.
الفرنسى الهادئ فرانسوا أو الإسبانى الدقيق سباستيان أو الإسترالية
الرقيقة ألكسندرا أو اللبنانية النشيطة بسمة التى حازت النصيب الأكبر من
اسمها فراحت تنثر البسمات فى كرم على
الجميع ...جميعهم آمن بما يؤديه من عمل فلانت له الصعاب ...
قد تكون الدعوة للدفاع عن تونة البحر الأبيض المتوسط ضد تحالف رؤوس الأموال العالمية وبعض الحكومات
التى تسعى لتحقيق الكسب المادى بغض النظر عما يمكن أن يحدثه ذلك هى مقدمة كتائب الدفاع
عن المتوسط وحمايته لكنى أعتقد أن من عرفتهم من أعضاء منظمة جرين بييس فى تلك
الرحلة قادرين على دفع عجلة الدفاع عن المتوسط إلى الأمام وعلينا جميعا أن نصطف
معهم.