Skip navigation.
غرينبيس تعرض لأهمية الطاقة الشمسية خلال جولة الطاقة المسالمة عام 2005. 
وفي الصورة يبدو ناشطون من غرينبيس مع مجموعة من الناس في مصر.

غرينبيس تعرض لأهمية الطاقة الشمسية خلال جولة الطاقة المسالمة عام 2005. وفي الصورة يبدو ناشطون من غرينبيس مع مجموعة من الناس في مصر.

تكبير الصورة

يقف العالم كله اليوم، في ما يتعلق بالطاقة، عند مفترق طريق يحدد معالمه الخطر الوشيك الناجم عن التغيّر المناخي والتوترات السياسية المتمحورة حول السيطرة على مخزون النفط، وتنامي شبح انتشار الأسلحة النووية.

ولا بد اليوم من القيام بخيارات ستؤثّر حتماً في حياة كل كائن حي على مر عقود عدة في المستقبل. والواقع أن مجموعة متزايدة من الحكومات والجهات السياسية تتحدّث عن نهضة نووية تُستخدم فيها الطاقة النووية للحد من انبعاثات غاز الدفيئة، أو لضمان مصادر للطاقة تشكل بديلاً عن النفط. وفي هذا السياق، يُطلب إلينا أن نتقبّل، كسبيل لتفادي التغير المناخي والحروب المستقبلية على الموارد، الخطر الحتمي للتكنولوجيا النووية، وما ستورثنا إياه من نفايات مشعة مميتة يستمر نشاطها لوقت طويل، فضلاً عن الخطر القائم دوماً في ما يتعلق بوقوع حوادث نووية كارثية، وعمليات النقل الروتينية للمواد المشعة الخطيرة، والسجل السيء من الإنجازات الاقتصادية.

وبالتالي، يُطلب إلينا أن نصدّق بأن الطاقة النووية قد تكون مسالمة، وبأنه من الممكن السيطرة على خطر انتشار الأسلحة النووية. المطلوب إذاً صفقة مع الشيطان لا يسعنا إلا أن نرفضها.

أبصرت غرينبيس النور في العصر النووي، بل إنها كانت نتاجاً لهذا العصر. فرحلة العام 1971 التي انبثقت عنها ولادة غرينبيس، والتي تمحورت حول التصدي للتجارب النووية الأميركية في جزيرة أمشيتكا، استمدت قوّتها من الإيمان الراسخ بأن التكنولوجيا النووية تشكل أحد الأخطاء البشرية الفادحة. وفي أيامنا هذه، تتجلى الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى تصدي غرينبيس لنمو التكنولوجيا النووية وإيجاد بدائل عنها، من أجل بناء منطقة وعالم تتحقق فيهما الطاقة المسالمة من دون التسبب بانشطار ذرة واحدة.

لكننا في المقابل ندعم سبيلاً آخر يقوم على التخلص تدريجياً من الوقود الأحفوري واعتماد نظام جديد للطاقة يرتكز على موارد الطاقة "الحميدة" المتجددة من دون الحاجة إلى الاتكال على الطاقة النووية.

الواقع أن استغلال إمكانات كفاءة الطاقة وتقنيات الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية، من شأنه أن يخّفض الطلب على الطاقة إلى حد بعيد من دون التأثير سلباً على النمو الاقتصادي. ولا شك في أن هذا التوجّه سيسمح للموارد المتجددة بأن تسهم بحلول العام 2050 في توفير ما نسبته 50 في المائة من الطاقة الأولية العالمية، بما في ذلك الطاقة المنتجة في الشرق الأوسط.

تجدر الإشارة إلى أن العوامل كافة المذكورة أعلاه تتجلى في منطقة الشرق الأوسط التي لا تبدو غريبة عن الأخطار. فعلى مر أجيال عدة، واجهت المنطقة الخطر الوشيك باندلاع نزاعات مسلحة. وها هي اليوم تواجه خطراً جديداً فيما تزداد التوترات حدة بفعل التطورات الإقليمية وتتسابق دول المنطقة إلى امتلاك الطاقة النووية.

ومن سخرية الأقدار أن التكنولوجيا التي شكلت نواة السباق إلى التسلح في القرن العشرين قد تحوّلت اليوم إلى الرمز الجديد للقوة والنفوذ في الشرق الأوسط. وفي حين أدى ضبط التكنولوجيا النووية والحد منها في السابق إلى إنهاء الحرب الباردة، غالباً ما يُنظر اليوم إلى المهارات النووية في الشرق الأوسط باعتبارها السبيل إلى ضمان "أمن" كل دولة، وكأننا نشهد اعتماداً على نطاق المنطقة للدمار المضمون المتبادل. أما الإرث المميت للتكنولوجيا النووية الذي بات اليوم يرهب الأنحاء الأخرى من العالم، فيهدد الأجيال الجديدة في منطقة يُفترض بها أن تكون الأكثر تخوّفاً من هذه التكنولوجيا.

في أيامنا هذه، يقف الشرق الأوسط على شفير انتشار الأسلحة النووية، على المستويين الفعلي و"الافتراضي". وبعد مرور عقود عدة شهدت تسوية مقلقة سيطرت عليها السياسة الإسرائيلية القائمة على "الغموض"، تتسلط الأضواء اليوم على المنطقة بسبب البرنامج النووي المدني في إيران. وسواء أكانت غاية إيران سلمية أم لا، فإن المخاوف والشكوك التي تنطوي عليها التكنولوجيا اليوم تهدد بإشعال سباق جديد إلى التسلح لا يمكن لأي طرف الفوز فيه.

هذا وقد أعلنت كل من مصر ودول مجلس التعاون الخليجي وتونس واليمن، والجزائر، عن دراسات ومشاريع قيد الإنجاز ستجعلها تنزلق بلا رحمة عبر الطريق النووي. أما في ما يتعلق بالطاقة، فمن المسلّم به أن التقنيات النووية لا تنطوي على أي طابع سلمي. وبموازاة كل دراسة جديدة وكل خطوة جديدة على الطريق النووي، يتفاقم سوء الظن ويتنامى الشك في منطقة معرّضة أصلاً لانعدام الثقة.

لم الاشعاع تحت ذاك النور؟

الواقع أن مخزون النفط الهائل في الشرق الأوسط يشكل نعمة ونقمة في آن. لكن هذه المنطقة تتمتع أيضاً بمخزون غزير من موارد الطاقة الطبيعية، المسالمة والمتجددة، بل إن هذا المخزون من الغزارة بحيث يمكنه توفير الطاقة لشعوب المنطقة كافة.

ألواح شمسية في مصنع تبريد (لحفظ الأسماك الطازجة). ليكياب آتول Likiep Atoll ، جزر مارشال Marshall . صورة للألواح الشمسية على السطح، وأشجار نخيل في الخلف.

وفي حال استغلت دول الشرق الأوسط نعمة الطبيعة المتمثلة بالرياح والشمس، يمكنها أن تلبي احتياجاتها من الطاقة من دون أن تتبنى مخاطر النووي. فالفرصة متوافرة لبناء مستقبل مستدام يخلو من حتمية الإرث المميت للنفايات المشعة أو من احتمال انتشار الأسلحة النووية. فعوضاً عن تهديد سلامة الجميع بالمزيد من الطاقة النووية، تتوافر الفرصة لتعزيز أمن الجميع باستخدام طاقة في متناول اليد أصلاً. 

يمكن في الواقع بناء مستقبل أكثر إشراقاً في الشرق الأوسط. أما تحقيق ذلك، فيقتضي التفاوض على شرق أوسط خالٍ من التقنيات النووية يسعى اللاعبون فيه إلى نبذ مختلف أشكال التكنولوجيا النووية.