أنت هنا
أضف إلى ما تقدم أن الدول التي تمتلك أسلحة نووية تتشبّث ببرامجها للأسلحة النووية وتعمل بنشاط على تطويرها والارتقاء بها إلى مستويات أعلى، بما في ذلك ابتكار أدوار وأغراض جديدة لها. وهذا يعني أن هذه البرامج لا توضع على الرف بانتظار أن تشيخ، بل يتم تحديثها. والمثال على ذلك العروض الأخيرة لتطوير أسلحة قابلة للاستعمال وأصغر حجماً. ويتم ذلك كله بغض النظر عن الخطابات والوعود بالتخلص من الأسلحة النووية. الواقع أن موقف الدول المسمّاة "مالكة" الأسلحة النووية يشكل واحداً من التناقضات المركزية التي تنطوي عليها المساعي الدولية لضبط انتشار الأسلحة النووية. فالدول نفسها التي تسعى بإلحاح علني إلى ضبط انتشار الأسلحة تتشبّث بأسلحتها إلى أبعد حدود.
وفضلاً عن التأثيرات المدمّرة التي خلّفتها القنبلتان النوويتان على سكان هيروشيما وناكازاكي في اليابان – وهم ضحايا استخدام أول قنبلة نووية في العام 1945 – تسببت التجارب على أكثر من ألفي سلاح نووي بتلوّث عالمي وإقليمي طويل الأمد. فالأفراد الذي يعيشون بالقرب من مواقع التجارب النووية يصابون بالأمراض السرطانية والإملاص (ولادة الحميل ميتاً) والإجهاض. وما ينافي العقل فعلياً هو أن الحكومات تواصل تطوير أسلحة يُعتبر استخدامها غاية في الخطورة، متسببة في الوقت نفسها بتلوّث تنعكس تأثيراته على شعوبها.
في خلال السنوات الأخيرة، بات استشراف المخاطر أكثر صعوبة في ظل انتهاك الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة للوعود التي قطعتها على نفسها في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية لجهة نزع الأسلحة. ومنذ أن أبصرت المعاهدة النور، انضمت دول أخرى مثل الهند وإسرائيل وكوريا الشمالية وباكستان إلى النادي النووي. وفيما تنتشر تكنولوجيا الطاقة النووية، يزيد أيضاً عدد الدول القادرة على تصنيع قنابل نووية في حال أرادت ذلك.
لكن الأمل لا يزال موجوداً. فقد أخذت بعض الدول المبادرة وعمدت إلى تعطيل أسلحتها النووية. وخير مثال على ذلك جنوب أفريقيا التي كانت تمتلك أسلحة نووية في سبعينيات القرن العشرين، إنما اختارت عوضاً عن ذلك الحد من التسلح. وبالتالي، عندما تقرر دولة ما اعتماد وسيلة أفضل لضمان أمنها، يمكن أن يتحقق الحد من انتشار الأسلحة النووية بسرعة.
وفي حال لم تحذُ دول أخرى تمتلك أسلحة نووية حذو جنوب أفريقيا، من المستبعد أن يتبنّى هذه المبادرة القادة السياسيون في الدول التي تطمح إلى تطوير أسلحة نووية. والواقع أننا نحتاج إلى أن يزيد عدد الدول التي تلغي برامجها للتسلح النووي، وليس عدد الدول التي تنضم إلى النادي النووي. ولهذا السبب تحديداً تشكل معاهدة الشرق الأوسط الخالي من التقنيات النووية مشروعاً ضرورياً، سيّما وأن هذه المعاهدة تحد من خطر استخدام القنابل النووية وتشكل مكملاً للسعي الضروري إلى حث الدول التي تمتلك حالياً أسلحة نووية على الاقتداء بمثال جنوب أفريقيا.