Skip navigation.

أدى استخدام مصادر الطاقة التقليدية إلى تكبّد أكلاف ضخمة على المستويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، سيّما وأن الدخان المنبعث من الفحم وأبخرة النفط قد لوّثت الهواء، فيما يبدو جلياً أن المدن التي تختنق بالانبعاثات السامة، وأيضاً غازات الدفيئة المنبعثة، تزيد من احترار الأرض إلى حد بالغ. وبموازاة ذلك، تسببت الحوادث والنفايات النووية بمقتل العديد من البشر والقضاء على الحياة البرية وتلوّث الهواء واليابسة والبحر. أضف إلى ما تقدم أن العالم يشهد حالياً حالة من الظلم البالغ بفعل التفاوت الكبير بين أولئك الذين يمتلكون فائضاً من الطاقة ويبددون معظمه، وأولئك الذين يفتقرون إلى مصادر الطاقة كافة. فمن غير المقبول في القرن الحادي والعشرين أن يفتقر ما يزيد عن 1.6 مليار شخص إلى خدمات الطاقة الأساسية، لا بل ومن غير المسموح أن يستمر الحال على ما هو عليه.

هذا وقد بات أمن مخزون الطاقة يشكل مصدر قلق رئيساً باعتبار أن موارد الطاقة النووية والوقود الأحفوري محدودة، وباعتبار أن الموارد تتناقص والأسعار ترتفع، ما يزيد بالتالي من حدة المنافسة ويعزز احتمالات نشوب نزاعات عسكرية.

يشكل الشرق الأوسط منطقة فريدة تتميز بدلالتها الخاصة والجلية على مستوى الجدال العالمي حول الطاقة. فعلى مر القسم الأكبر من القرن المنصرم، تشكّل التاريخ الجيوسياسي للمنطقة بحسب المساعي إلى التزوّد بموارد الطاقة والتحكم بها. ولا شك في أن انعدام الاستقرار السياسي يبقى عاملاً أساسياً في المنطقة حيث لا تزال موارد الهيدروكربون تضطلع بدور مؤثر حاسم.  

لا بد من الإشارة إلى أن منطقة الشرق الأوسط تتكوّن من دول بلغت مراحل متفاوتة من التنمية، بل إن العديد من هذه الدول يتميّز بمعدلات فقر مرتفعة في المجتمعات المدنية والريفية على حد سواء. أما المنطقة ككل، فتُعتبر منطقة نامية، ويُتوقع أن يبلغ عدد سكانها الإجمالي بحلول العام 2050 ثلاثمائة وخمسين مليون نسمة. ولا بد من أن تترافق هذه الزيادة السكانية مع زيادة هائلة في معدلات انتاج الطاقة واستهلاكها بهدف تحقيق الرغبة في النمو الاقتصادي الذي يرتكز على القيام بالأعمال كالمعتاد.

لكن استمرار النمو الاقتصادي وتعزيزه لا يستوجبان بالضرورة تحقيق زيادة هائلة في استهلاك الطاقة. فدول الشرق الأوسط لا تنعم بوفرة مصادر الطاقة التقليدية وحسب، وإنما تتمتع أيضاً بوفرة في المصادر المتجددة، كالطاقة الشمسية والرياح وحرارة باطن الأرض والطاقة المائية.   

يشكل "السبيل إلى مستقبل قوامه الطاقة النظيفة والمستدامة في الشرق الأوسط" واحداً من السيناريوهات العشرة للطاقة الإقليمية التي أعدتها دائرة تحليل الأنظمة وتقييم التكنولوجيا (معهد الدينامية الحرارية التكنولوجية) في مركز الطيران الجوي الألماني بتفويض من غرينبيس والمجلس الأوروبي للطاقة المتجددة. وقد جرى تطوير هذا السيناريو بالتعاون مع علماء ومهندسين من الجامعات والمعاهد وقطاع الطاقة المتجددة في سائر أنحاء العالم.  

توضح التقارير عموماً أهمية خفض المعدلات المتوقعة لاستهلاك الطاقة على المستوى العالمي، وتبيّن جدوى تحقيق هذه الغاية عبر اعتماد إجراءات ملائمة للحفاظ على الطاقة وفعاليتها وزيادة مخزون الطاقة المنتجة من مصادر قابلة للتجدد إلى 50 في المائة بحلول العام 2050. كذلك يسلط هذا التقرير الإقليمي الضوء على منافع استحداث درب للطاقة المستدامة في الشرق الأوسط، ويحدد إطار العمل لبناء نظام طاقة يلبي حاجات الشعوب في المنطقة من دون المساومة على بيئتها أو أمنها أو اقتصادياتها.