New Website

الوجه الآخر لمستشفى بيروت الحكومي

قصة محورية - شباط 27, 2004
بات افتتاح مستشفى بيروت الحكومي في نيسان المقبل حدثا يخشى منه عوضا عن ان يجلب الامل بتطوير الخدمات الطبية في بيروت وكافة انحاء البلاد. والسبب بسيط: المحرقة السامة وغير القانونية التي تم تركيبها في المستشفى بانتظار افتتاحه واقتراح اعتمادها لحرق كافة النفايات الطبية في بيروت.

ناشطة في غرينبيس تشارك في تحرك سلمي اعتراضا على محرقة مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت

لقد علمت غرينبيس المتوسط ان هذه المحرقة شديدة السمية لانها من طراز قديم بنته شركة هوفال المتعددة الجنسيات عام 1997. كما انها غير مشروعة بموجب القانون رقم 432 (تموز 2002) الذي يصادق على اتفاقية استوكهولم للحد من الملوثات العضوية الدائمة. فالمحارق تشكل اهم المصادر لتلك الملوثات وينبغي بموجب الاتفاقية الدولية الحد تدريجيا من تشغيلها حتى وقفها بالكامل والكف عن بناء وتشغيل محارق جديدة. بالتالي اصبحت محرقة مستشفى بيروت الحكومي غير قانونية لا بموجب القانون اللبناني فحسب بل الدولي ايضا. (1)

وها نحن نقع في الدوامة نفسها مجددا. فلطالما حذرت غرينبيس من مخاطر المحارق ونشرها السموم على مدى واسع مع العلم ان بدائلها السليمة بيئيا وصحيا متوافرة في لبنان، ناهيك عن ارتفاع اكلاف تشغيلها مقارنة ببدائلها. وبالفعل استجابت الهيئات والمستشفيات المعنية ولاحت بوادر مشاريع بديلة تراوحت بين بناء منشأة مركزية لتعقيم النفايات الطبية المعدية او شراء منشأة خاصة لكل مستشفى او اللجوء الى خدمات سيارات مجهزة بآلات التعقيم تتوجه الى المستشفيات ما يلغي ضرورة نقل النفايات من مكان الى آخر. وكانت المستشفيات اعربت في الصحف اللبنانية عن انصياعها الى ما توصي به وزارة البيئة بهذا الخصوص.

ولكن المضحك المبكي ان اعتماد البدائل المتوافرة حاليا يشهد عرقلة من وزارة البيئة بالذات التي تتقاعس عن تقديم تعديل وعدت به للمرسوم 8006 كي يجيز طمر النفايات المعقمة في مطامر عادية بما ان خطرها قد زال. وبذلك تضع الوزارة العراقيل امام مباشرة مبادرات التعقيم عملها لدوافع ليس اقلها اللهفة لتلقي اموال البنك الدولي -ومحارقه- وحتى ان اتت مقابل الدوس على اي اعتبار آخر على الاخص صحة المواطنين وسلامة بيئتهم.

بدوره، لا يسلم من اللوم البنك الدولي وهو المسوق الاكبر للمحارق لا سيما في الدول النامية. فقد تراجعت اسواق المحارق في الدول الصناعية لما الحقته من اضرار بالصحة وبفعل تضاعف المعارضة الشعبية لها ما آل بمصنعيها الى الضغط على البنك الدولي من اجل تسويقها في الدول "الفقيرة" على صورة "هبات" تساعدها على معالجة أزمة نفاياتها المتراكمة. وبالطبع يتم تسريب هذه التكنولوجيا الخطيرة في ظل ضعف المعارضة الشعبية في تلك الدول بسبب الصفقات السرية والفساد المستشري وغياب حقوق الانسان. فمنذ العام 1993 مول البنك الدولي ما لا يقل عن 156 مشروعا في 68 دولة تقترح الحرق حلا لازمة النفايات. وفي حزيران المنصرم فضحت غرينبيس محاولة البنك الدولي في لبنان تسويق المحارق في ورشة عمل دعا اليها المستشفيات برعاية وزارة الصحة.

ويكمن خطر المحارق وحتى اكثرها تطورا في انها تحول المركبات الكلورية في النفايات لا سيما البلاستيك الى ديوكسين وهي مواد تم الاعتراف عالميا بانها مسببة للسرطان، اضافة الى المعادن الثقيلة التي تنفثها في دخانها المتناثر على رقعة واسعة من الاراضي وفي الرماد المترسب في قعر المحرقة. ويؤدي تراكم المعادن السامة في الجسم الى علل كثيرة منها اختلال الوظائف الهرمونية والقصور الكلوي وتلف الكبد والجهاز العصبي. اما اقتصاديا فالمحارق تشكل كارثة. فكلفة محرقة بقدرة 2000 طن في اليوم تبلغ على الاقل 1,325 مليون دولار اميركي لشرائها فحسب، ناهيك عن تكاليف تشغيلها (2).

بالتالي يبدو خطر المحارق واضحا كعين الشمس. اداة قاتلة وباهظة الكلفة ينبغي الاستعاضة عنها على الفور ببدائلها المتوافرة. ولكن خطر تشغيل محرقة مستشفى بيروت ما زال محدقا، ويضرب بعرض الحائط كافة الوقائع والتجارب المريرة التي كابدها سكان محيط المستشفيات في لبنان لا سيما الجامعة الاميركية في الحمراء واوتيل ديو في الاشرفية وما زالت معاناتهم مستمرة حتى اللحظة.

وهنا يطرح السؤال نفسه: لاي اعتبار يتم تجاوز سلامة الصحة من اجل الهبات؟ وفي مؤسسة صحية؟ فحتى حجة "النفايات المعدية" لم تعد تنفع حيث ان تلك النفايات لا تتجاوز 10% من نفايات المستشفيات حسب التقديرات السائدة وحلها موجود وتم اعتماده وتشغيله في اماكن اخرى. لذلك ينبغي في البدء انشاء نظام صارم لفصل النفايات الخطرة عن العادية بصورة متقنة ودقيقة في المستشفى بحيث تعالج النفايات العادية عملا بمبدأ اعادة تدويرها وتسبيخ العضوي منها في سبيل تقليصها بينما يتم تعقيم النفايات الخطرة بواسطة التعقيم البخاري/الحراري او بالموجات الصغروية فتمسي كسائر النفايات العادية.

ملاحظات (1) تصبح اتفاقية استكهولم سارية المفعول بعد تسعين يوما على مصادقة الدولة الخمسين عليها وهذا كان ترتيب فرنسا التي صادقت الاتفاقية في 18 شباط 2004. (2) تقرير "التحالف الشامل ضد الحرق" بعنوان الحرق:التزام مكلف، متوافر في مكتب غرينبيس.