في شمال غرب أفريقيا، من المغرب حتّى خليج غينيا، تُظهر البيانات أنّ أكثر من نصف المخزونات السمكية تتعرّض للاستنزاف الجائر.
| تلعب مصايد الأسماك دوراً محورياً في ضمان الأمن الغذائي العالمي، دعم الاقتصادات المحلية وتأمين مصادر رزق للملايين، لا سيّما للمجتمعات الساحلية. فهي لا توفّر فقط مصدراً مهمّاً للغذاء وسُبل العيش، بل تساهم أيضاً في الحفاظ على التنوّع البيولوجي البحري، وتعزّز قدرة النظم البيئية على الصمود. لكن، رغم هذه الأهمية الاستراتيجية، يواجه هذا القطاع تحديات متزايدة تهدد استدامته على المدى القريب والبعيد. |
من تغيّر المناخ والتلوّث البلاستيكي، إلى الصيد الجائر والإدارة غير المستدامة، تلتقي عوامل متعدّدة تُهدّد ثرواتنا البحرية، ومن يعتمد عليها في غذائه أو دخله أو ثقافته.
ماذا تخبرنا الأرقام عن قطاع مصايد الأسماك؟
لا يمكن اختزال قطاع مصايد الأسماك في كونه نشاطًا إنتاجيًا فحسب، فهو ركيزة أساسية في منظومة الغذاء العالمي، ومصدر رئيسي لسُبل العيش والتنوّع البيولوجي، وأداة فعّالة في جهود مكافحة الفقر وتحقيق التنمية المستدامة.
تشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أنّ المصايد البحرية توفّر ما يقارب الـ 80 مليون طنّ من البروتين سنويًا، وتولّد إيرادات سنوية تتراوح بين 80 و85 مليار دولار أميركي. هذا القطاع الحيوي يوفّر فرص عمل لنحو 260 مليون شخصٍ حول العالم، من بينهم عدد كبير من الصيادين في مصايد الأسماك الصغيرة التي غالبًا ما تكون أكثر ارتباطًا بالمجتمعات الساحلية والمهمّشة.
في تقريرها الصادر في عام 2024 حول حالة مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية في العالم، كشفت الفاو أنّ الإنتاج العالمي بلغ 223.2 مليون طن في عام 2022، منها 185.4 مليون طن من الحيوانات المائية، و37.8 مليون طن من الطحالب. ورغم التحوّلات في قطاع إنتاج الحيوانات المائية، حافظت مصايد الأسماك الطبيعية على استقرارها منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. ففي عام 2022، بلغ هذا الإنتاج نحو 92.3 ملايين طنّ، منها 81 مليون طنّ من المصايد البحرية و11.3 ملايين طنّ من المصايد الداخلية، ما يعكس الدور المستمرّ للمصايد الطبيعية كمصدر رئيسي لإنتاج الحيوانات المائية على مستوى العالم.
أما على مستوى منطقتنا، فتُقدّر الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر المتوسط التابعة للفاو أنّ الصيد في البحر المتوسط والبحر الأسود يولّد مداخيل سنوية تصل إلى 2.8 مليار دولار، ما يعكس الأهمية الاقتصادية لهذه المصايد رغم التحديات البيئية التي تواجهها.
وفي ظلّ هذه التحوّلات، تدعو الفاو إلى تبنّي نهج “التحوّل الأزرق”، الذي يهدف إلى تعزيز الإنتاج المستدام، وتحسين التغذية، وصون البيئة البحرية، ورفع مستوى معيشة المجتمعات الساحلية، مع التأكيد على ألا يُترك أحد خلف الركب.
ما هي أبرز التهديدات التي تُواجه مصايد الأسماك؟
اختناق الحياة البحرية بالتلوّث البلاستيكي
لم تعد البحار ملاذًا آمنًا للحياة، بل أصبحت ساحة مفتوحة للتلوّث، وفي مقدّمته التلوّث البلاستيكي. فبحسب برنامج الأمم المتحدة للبيئة، يتسرّب إلى المحيطات نحو 11 مليون طن من النفايات البلاستيكية سنويًا، أي ما يعادل شاحنة نفايات تُفرغ في البحر في كل دقيقة.
الصيد الجائر يفتكّ بالثروة السمكية
هذا التلوّث يعرّض الحيوانات البحرية للاختناق أو الجوع أو التسمّم، ويضرّ بالنظم البيئية الحسّاسة كالشعاب المرجانية والأراضي الرطبة. أما الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، فهي تُمثّل خطرًا صامتًا، إذ تتسلّل إلى أجسام الأسماك والكائنات الدقيقة، مما يهدد السلسلة الغذائية البحرية بأكملها، وصولًا إلى الإنسان.
إلى جانب ذلك، تُعدّ معدّات الصيد الشبحية، وهي الشباك والخيوط والفخاخ التي تُفقد أو تُترك في البحر أو المحيطات، واحدة من أكثر مصادر التلوّث البحري فتكًا. فهي تواصل صيد الكائنات البحرية لعقود بشكلٍ عشوائي.
هذا النوع من التلوّث لا يدمّر البيئة فقط، بل يخلّف خسائر اقتصادية جسيمة. إذ تُقدَّر الخسائر التي تتكبّدها القطاعات الساحلية، مثل مصايد الأسماك والشحن بمبالغ ضخمة. ففي البحر الأبيض المتوسط وحده، تصل هذه الخسائر إلى نحو 138 مليون دولار أميركي سنويًا، ما يعكس حجم الضرر الذي يلحق بمصادر رزق الملايين من الناس.
يُعدّ الصيد الجائر من أكبر التحديات التي تقوّّض استدامة مصايد الأسماك، وتُلحق الضرر بالمجتمعات الساحلية والنظم البيئية على حدٍّ سواء. فعندما تتجاوز وتيرة الاستخراج قدرة المخزونات السمكية على التجدّد الطبيعي، ينهار التوازن البيئي وتفقد المصايد إنتاجيتها تدريجيًا. والنتيجة؟ تراجع في أعداد الأنواع التجارية، وتدهور في سبل عيش ملايين الصيادين والمجتمعات الساحلية التي تعتمد على البحر كمصدر رئيسي للدخل والغذاء.
في تقريرها الصادر عام 2025، حذّرت منظمة الفاو من أنّ 35% من المخزونات السمكية العالمية تُستغل بشكلٍ غير مستدام بسبب الصيد الجائر، وسوء الإدارة، وتأثيرات تغيّر المناخ. التحذير استند إلى دراسة 2,570 نوعًا من الأسماك البحرية، كشفت عن تزايد الضغط على المحيطات بمعدلاتٍ مُقلقة.
ورغم هذه الصورة القاتمة، هناك مؤشرات إيجابية ملموسة. إذ حوالي 77% من الأسماك المستهلكة عالميًا مصدرها مصايد تُدار بشكل مستدام، خاصّة في مناطق مثل:
– ساحل المحيط الهادئ في الولايات المتحدة وكندا: أكثر من 90% من المخزونات تُدار بشكل مستدام.
– أستراليا ونيوزيلندا: تتجاوز النسبة 85%.
– القارة القطبية الجنوبية: تصل إلى 100% بفضل اللوائح الصارمة.
لكنّ الصورة تختلف للغاية من منطقة إلى أخرى. ففي شمال غرب أفريقيا، من المغرب حتّى خليج غينيا، تُظهر البيانات أنّ أكثر من نصف المخزونات السمكية تتعرّض للاستنزاف الجائر، في ظلّ مؤشرات ضعيفة على التعافي. أما في البحر الأبيض المتوسط، فالوضع أكثر حرجًا، حيث تُصنّف نحو 65% من هذه المخزونات على أنها غير مستدامة، في واحد من أسوأ معدلات الصيد الجائر على مستوى العالم. ورغم هذا التدهور، هناك بوادر إيجابية. فقد تراجع عدد قوارب الصيد بنحو الثلث خلال العقد الأخير في المتوسط، ما يشير إلى تحوّل بطيء في السياسات والإدارة نحو الاستدامة. وهو ما يؤكد أن الخروج من الأزمة ممكن، لكنه يتطّلب إرادة سياسية جادّة، وتنفيذًا صارمًا لإدارة الموارد، واستثمارًا طويل الأمد في حماية البحار والمحيطات.
وتتجاوز أهمية هذه المسألة حدود البيئة، لتطال البعد الإنساني والمعيشي بشكل مباشر. فإنّ أكثر من 600 مليون شخص حول العالم يعتمدون على مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية كمصدر أساسي للدخل والغذاء.
المحيطات والبحار ليست بمنأى عن التغيّر المناخي
يُشكّل تغيّر المناخ تهديدًا وجوديًا لمصايد الأسماك حول العالم، حيث يُحدث اضطرابات عميقة في النظم البيئية البحرية، لا سيّما في المناطق الساحلية والدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على البحر كمورد غذائي واقتصادي حيوي. وعلى الرغم من أنّ البحر الأبيض المتوسط لا يشكل سوى أقل من 1% من مساحة المحيطات، إلا أنّه يحتضن نحو 20% من جميع الأنواع البحرية المعروفة، مما يجعله إحدى أبرز النقاط الساخنة للتنوّع البيولوجي البحري عالميًا.
يرصد البنك الدولي تأثيرات تغيّر المناخ على البيئة البحرية، حيث يتسبب ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر وتزايد حموضة المياه في حدوث خللٍ بتوازن دورة الحياة في المحيطات. وتُعدّ حموضة المياه من القضايا الأوسع تأثيرًا، إذ تعيق قدرة بعض الكائنات البحرية مثل الرخويات والقشريات على احتجاز الكربون، مما يؤثّر على دورة الكربون البحرية ككل. كما يُسبّب تغيّر أنماط التيّارات البحرية في حصول اضطرابات كبيرة بأعداد الأسماك التي تولد وتنمو، وهو ما ينعكس بشكلٍ مباشرٍ على المجتمعات الساحلية التي تعتمد على هذه الثروات البحرية كمصدر ٍ رئيسي للرزق.
بالإضافة إلى ذلك، تؤدي التغييرات في التيّارات إلى اضطراب مسارات تفريخ وهجرة الأسماك، ما يُعيد تشكيل توزيعها الجغرافي ويهدّد الأمن الغذائي والاقتصادي للمناطق الساحلية. ومع ارتفاع حرارة المحيطات، بدأت العديد من أنواع الأسماك تهاجر نحو المياه الأكثر برودة، مما يُزعزع توزيعها الجغرافي.
في المقابل، تحذّر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) من أنّ ارتفاع درجات الحرارة يُحدث تغييرات جوهرية في أنماط نمو الأسماك وتكاثرها وهجرتها، ما يضع مستقبل المصايد البحرية على المحك. وفي ظل تزايد امتصاص المحيطات لغاز ثاني أكسيد الكربون، تتفاقم مشكلة الحموضة التي تعيق الكائنات البحرية ذات الأصداف الصلبة (مثل القشريات والمحار) عن بناء هياكلها الصلبة، مما يهدّد توازن السلسلة الغذائية في البيئات البحرية. ولا يقف الأمر عند هذا الحدّ؛ إذ إنّ تغيّر المناخ يؤثّر أيضًا على توقيت ظهور العوالق الدقيقة، وهي المصدر الغذائي الأساسي لصغار الأسماك، مما يؤدي إلى فجوة زمنية خطرة بين فقس البيوض وتوفّر الغذاء، ويقلّص من فرص نجاة الأجيال الجديدة من الأسماك.
ولا تقتصر الأضرار على أعماق المحيطات فحسب، بل تمتد إلى السواحل حيث تُدمّر العواصف الشديدة والأعاصير وارتفاع مستوى سطح البحر مواطن طبيعية هامّة مثل غابات المانغروف والشعاب المرجانية، التي تُشكّل حاضنات طبيعية لا غنى عنها للحفاظ على توازن واستدامة الحياة البحرية.
لم يعد الحفاظ على مصايد الأسماك ترفًا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة تفرضها التحديات البيئية والاقتصادية التي تعصف بعالمنا اليوم. ففي زمنٍ يتسابق فيه العالم للقضاء على الفقر والجوع، تصبح هذه الموارد البحرية شريان حياة لا غنى عنه لمجتمعاتٍ بأكملها، خصوصًا تلك التي تعتمد على البحر كمصدرٍ للغذاء والدخل.
ومن هذا المنطلق، تصبح حماية الثروة السمكية مسؤولية جماعية تتطلّب إجراءات حازمة تشمل: الإدارة المستدامة للمصايد، مكافحة الصيد غير القانوني، وضع أطر تشريعية صارمة، حماية الموائل البحرية، مواجهة آثار تغيّر المناخ، والحدّ من التلوّث، ولا سيّما التلوّث البلاستيكي.
إنّ التحدّي الحقيقي اليوم يكمن في إيجاد توازنٍ حقيقي بين الاستفادة من هذه الثروة وصونها للأجيال المقبلة، والاقتناع التام بأنّ البحار والمحيطات ليست فقط مورداً، بل شريكًا أساسيًا في الحفاظ على مستقبلنا واستمرار الحياة على هذا الكوكب.
ادعموا إبرام معاهدة عالمية فعّالة لمكافحة التلوّث البلاستيكي.
وقّع العريضة


نقاش
اقل
متضامن مع حملتكم فراس كاظم عزيز ناشط مجتمعي وناشط بيئي جمهورية العراق 009647705505592
سجّل عبر بريدك الإلكتروني كي تستلم آخر المعلومات حول الطرق التي بمكنك من خلالها المشاركة بشكلٍ أكبر في نشاطاتنا. سوف نرسل إليك تفاصيل حول فعاليات غرينبيس ونشاطاتها، واجتماعات المتطوعين والمتطوعات المقبلة. https://www.greenpeace.org/mena/ar/%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B9/
مشكورين على كل حرف او كلمة او جهد يبذل، واعملوا إنه يتابعكم الملايين ويحييون جهودكم
يجب علينا استخدام مواد طبيعية قابلة للتحلل
يجب علينا استخدام مواد طبيعية قابلة للتحليل للحفاظ على البيئة وبالتالي على حياتنا