
تحدّيات المناخ والسياسات النيوليبرالية: قراءة في واقع الزراعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
في منطقةٍ تُعدّ الزراعة فيها دعامةً أساسية لتأمين الغذاء ومصدرًا مباشرًا لسبل عيش سكّانها، تتراجع القدرة الزراعية في ظلّ أزمة مناخية تتحمّل المنطقة أحد أثقل أعبائها عالميًا؛ فارتفاع درجات الحرارة بوتيرة تقارب ضعف المعدّل العالمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب الندرة الحادّة والمتزايدة في الموارد المائية التي صنّفت المنطقة ضمن أكثر مناطق العالم جفافًا، يضع السيادة الزراعية، وبالتالي الأمن الغذائي ومستقبل المجتمعات، على حافّة الخطر.
تؤثر أزمة المناخ بشكلٍ غير متناسب على المجتمعات المحلية في منطقتنا، والتي غالباً ما تكون الأقلّ مسؤولية عن تراكم انبعاثات غازات الدفيئة عالمياً، إلا أنها تتحمّل في المقابل العبء الأكبر من تداعيات الأزمة. وفي هذا السياق، يواجه المزارعون والأسر الريفية تراجعاً في الإنتاج الزراعي، خسائر في الثروة الحيوانية، وزيادة في الضغوط الاقتصادية، مع تدهور الموارد الطبيعية، لا سيّما المياه والتربة، ما ينعكس مباشرةً على استقرار سُبل عيشهم واستمراريّتها.
ولا يقتصر الأمر على العاملين المناخي والبيئي فقط، إذ تتقاطع هذه الضغوطات مع تحديات بنيوية عميقة، يواجهها المزارعون والمزارعات بشكلٍ مباشر، من بينها النموّ السكاني المتسارع، ارتفاع أسعار الغذاء والوقود، تقلّبات الأسواق وسياسات اقتصادية نيوليبرالية تٌكرّس نماذج نمو غير متكافئة، تقوم على استنزاف الموارد الطبيعية ومراكمة الأرباح على حساب البيئة وحقوق المجتمعات المحلية. ويضاف إلى ذلك الاحتلال والنزاعات المسلحة، إلى جانب الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بعدد من بلدان المنطقة، مما يزيد من ضعف النّظم الزراعية وقدرتها على الصمود والتكيّف.
في ظلّ هذا الواقع المتشابك بكلّ تحدّياته، تأتي هذه السلسلة من المنشورات الاستقصائية التي تضمّ ستة مقالات رأي معمّقة، نتيجة تعاون بين شبكة سيادة ومنظّمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لتسلّط الضوء على واقع الزراعة في خمس دول من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: لبنان، وفلسطين، والمغرب، وتونس (وتحديدًا قابس)، ومصر. وتسعى هذه القراءة المترابطة إلى تفكيك المشهد من زوايا متعدّدة: كيف يواجه المزارع/ة الفلسطيني/ة تسارع تغيّر المناخ في ظلّ سطو المستوطنين على الأرض والمياه؟ كيف تتجلى العدالة المناخية في منطقتنا وما هو موقعها ضمن خريطة الصراع البيئي العالمي؟ كيف تؤثّر السياسات النيوليبرالية، إلى جانب الضغوط المناخية، على واقع المزارعين والمزارعات في المغرب وقدرتهم على الصمود والتكيّف؟
في حين تسعى هذه المنشورات إلى الإجابة على هذه الأسئلة، فإنها تتناول أيضاً حاضر الزراعة ومستقبلها في لبنان في ظلّ الانهيار الاقتصادي والحرب وتراكم الأزمات وتفاقمها، قبل أن تأخذنا إلى قابس في تونس، حيث تندثر شيئًا فشيئًا “ثمار الجنّة”، أي الحنّاء، وتغرق أراضي “طرح النهر” وتتعرّض التدهور، في مشهدٍ يعكس بوضوح غياب العدالة المناخية في المنطقة.

تحدّيات المناخ والسياسات النيوليبرالية: قراءة في واقع الزراعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
| إخلاء مسؤولية: إن المعلومات والآراء الواردة في هذا التقرير هي معلومات وآراء الكتّاب والكاتبات ولا تعكس بالضرورة آراء غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أو موظفيها أو مجلس إدارتها أو مموليها، كما لا تعكس بالضرورة آراء ومواقف شبكة سيادة. |