بيروت، لبنان، 8 نيسان/أبريل – أكتب هذه الكلمات بقلبٍ مثقل بالأسى، وبيدَيْن ترتجفان، وأنا ما زلت أحاول استيعاب ما عاشته عائلتي وفريقي وبلدي اليوم.بيروت، لبنان، 8 نيسان/أبريل – أكتب هذه الكلمات بقلبٍ مثقل بالأسى، وبيدَيْن ترتجفان، وأنا ما زلت أحاول استيعاب ما عاشته عائلتي وفريقي وبلدي اليوم.

تُرى امرأة داخل مبنى مدمَّر بعد استهداف منطقة كورنيش المزرعة ضمن غارات جوية إسرائيلية على العاصمة اللبنانية بيروت، في 9 أبريل 2026.
© حسام شبارو / الأناضول عبر غيتي إيمجز

هذا الصباح، كانت ابنتي جالسة إلى مكتبها، تضع سماعاتها وتركّز على امتحان عبر الإنترنت. فجأة، ومن دون أيّ إنذار، اهتزّت النوافذ وتردّد دويّ القصف في الأجواء. خلال ثوانٍ معدودة، امتلأت شاشتها بوجوه مذعورة، وجوه زملائها في الصف وأستاذهم – بعضهم يبكي، وبعضهم يركض، وبعضهم مشلول من شدّة الصدمة، والجميع يشعر بالقنابل وهي تهبط قرب منزله. عزّ عليّ أن أراها تنهار باكية، وأن أرى الرعب والارتباك في وجهها، وقد انقلب عالمها رأسًا على عقب في غضون ثوانٍ.

ما حدث كان مجزرة بكلّ ما للكلمة من معنى.

راحضحيّةهذهالضرباتمالايقلّ عن254 مدنيًا، وأُصيب1,165 آخرون في أنحاء لبنان خلال هذا اليوم، بعد أن نفّذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 100 غارة جوية خلال 10 دقائق، مستهدفًا بيروت وجبل لبنان وصيدا والجنوب والبقاع في وقتٍ واحد، ومن دون أيّ إنذار. مستشفيات بيروت تغصّ بالمصابين. وفي بلدٍ يقلّ عدد سكانه عن خمسة ملايين نسمة، فإن سقوط 254 ضحية وأكثر من 1,165 جريحًا في هذا الوقت القصير واحدة يُعدّ كارثة حقيقية. عائلات بأسرها وأطفال وآباء عُزّل.

تُرى دمية داخل مبنى متضرر في حي عين المريسة في بيروت، لبنان، في 8 أبريل 2026، عقب غارة جوية إسرائيلية وقال المسعفون في موقع الحادث إن ما لا يقل عن ستة أشخاص قُتلوا، فيما لا يزال آخرون في عداد المفقودين.
© إبراهيم عمرو / ميدل إيست إيمجز / وكالة فرانس برس عبر غيتي إيمجز

جاء ذلك بعد ساعاتٍ فقط من إعلان وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، في لحظة أمل هشّة سارعت إسرائيل إلى تحطيمها عمدًا بإعلانها استثناء لبنان من أيّ هدنة.

يسعدني أن أؤكد أن جميع أعضاء فريق غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وعائلاتهم بخير. لقد بقينا على تواصل مع كلّ الزملاء طوال اليوم.

لكنني أقولها بلا مواربة: لم أشعر يومًا أنّ التهديد بهذا القرب. فقد استهدفت الغارات أحياء مدنية مكتظّة في مختلف أنحاء بيروت، لا في الضاحية الجنوبية فحسب، بل أيضًا في وسط المدينة وشواطئها والأحياء التي يقيم فيها أفراد من فريقنا. يسود لبنان الليلة ذعر واسع وخوف عميق وغضب شديد. وقد أعلنت الحكومة يوم غد، 9 نيسان/أبريل، يوم حداد وطني.

تلتقط امرأة صورة بهاتفها المحمول لفرق الاستجابة الأولى اللبنانية وهم يبحثون تحت الأنقاض في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى في اليوم السابق في حي كورنيش المزرعة في بيروت، وذلك في 9 أبريل 2026. وكان رجال الإنقاذ يبحثون عن ناجين تحت أنقاض المباني المدمَّرة في بيروت، بينما كان لبنان يحيي يوم حداد بعد غارات إسرائيلية في أنحاء البلاد أسفرت عن مقتل أكثر من 200 شخص
© إبراهيم عمرو / وكالة فرانس برس عبر غيتي إيمجز

للأسف، ما نشهده هو امتداد “عقيدة غزة” إلى لبنان: تدمير منهجي ومتعمّد وشامل للحياة والبنى التحتية المدنية، يُنفَّذ في ظلّ إفلات كامل من العقاب.

منذ 2 آذار/مارس، قتلالجيشالإسرائيليأكثرمن1,500 شخص في لبنان، وشرّدمايزيدعلى1.2 مليونإنسان. كذلك، يجري تدمير البنى التحتية المدنية، وباتت الحكومة الإسرائيلية تحتلّ الآن جزءًا كبيرًا من جنوب لبنان. واليوم، نُفِّذ الهجومالأكثردمويّة منذ بداية هذه الحرب، بعدساعاتقليلةمنالإعلانعنوقفلإطلاقنار.

ما نخشاه بكلّ وضوح هو التالي: أنيكونهذاالهجومبدايةإبادةجماعيةأخرى في منطقتنا. بعد عقود من الاحتلال الإسرائيلي، وما ارتكبه من جرائم حرب، وتطهير عرقي، وتوسيع للمستوطنات، وإبادة جماعية في غزة، وأخيرًا المجازر والتدمير المنهجي في لبنان، بينما يكتفي العالم بالمراقبة بصمت، أصبح النمط واضحًا لا لُبس فيه: إنّ القانون الدولي لا يُحرَّف فحسب، بل يُنتهك علنًا وبشكل يومي، من دون أي عواقب.

هذا الإفلات من العقاب هو أساس المشكلة، ولن ينتهي من دون اتخاذ إجراءات ملموسة.

في خضمّ هذا الظلام، أودّ أن أتوقف للحظة لأعبّر عن فخري وامتناني العميقَيْن لانضمام سفينة أركتيك صنرايزالتابعة لمنظمة غرينبيس إلى أسطول الصمود العالمي لتقديم الدعم اللوجستي. هذه خطوة قويّة للتعبير عن تضامننا، ورسالة جريئة تؤكد على الملأ أن حركتنا تقف إلى جانب شعوب هذه المنطقة التي عانت من الظلم والاحتلال طوال عقود. إنّ موقف بالغ الأهمّية، وأنا فخورة بأن غرينبيس تمتلك الشجاعة للوقوف في صفّ الحقّ والعدالة.

ومع ذلك، أرى اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن أشكال التضامن الشجاعة هذه، على أهميتها وسموّ معانيها، لا تكفي وحدها. فالأهوال التي تُرتكَب تتطلب أكثر من ذلك.

9 أبريل 2026، لبنان، بيروت: يحاول عامل إنقاذ صناديق من مبنى مدمَّر في منطقة تعرّضت لغارات إسرائيلية على بيروت. نفّذت إسرائيل أعنف ضرباتها على لبنان منذ اندلاع الصراع مع حزب الله المدعوم من إيران الشهر الماضي، وذلك بعد أن استأنفت الجماعة هجماتها الصاروخية على شمال إسرائيل عقب توقف قصير في إطار هدنة استمرت أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران.
© مروان نعماني / وكالة الأنباء الألمانية (dpa) / بيكتشر ألاينس عبر غيتي إيمجز

علينا أن نطالب حكومات العالم بالانتقال من الصمت المتواطئ وبيانات الإدانة إلى المحاسبة الفعلية. فيجب على العالم أن يُحمِّل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية بموجب القانون الدولي، وأن يفرض حظرًا على الأسلحة وعقوبات فعّالة تُحدث تبعات سياسية واقتصادية حقيقية.

إن شعوب لبنان والشرق الأوسط تستحق وقفًا فوريًا ودائمًا لإطلاق النار، وسلامًا عادلًا يستند إلى القانون الدولي الإنساني.

آمل أن ينتهي هذا الكابوس قريبًا، لكنني أعلم أنّ هذه الصفحة لن تُطوى إلا عندما تبادر حكومات العالم إلى اتّخاذ إجراءات ملموسة، بدلًا من الاكتفاء بالمراقبة من بعيد.

فلنقف إلى جانب العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها في لبنان

تدعم غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الصليب الأحمر اللبناني في جهوده الإنسانية

تبرّع الآن