
تُواجه منطقتنا اليوم أزمات بيئية مُدمِّرة، بدءًا من تغيّر المناخ ووصولاً إلى التلوّث وفقدان التنوّع البيولوجي، مما يجعل التعليم البيئي ضرورة لا غنى عنها. فالتعليم البيئي يتجاوز مسألة نشر الوعي ليُصبح وسيلة لتمكين الأجيال القادمة، وتشجيعهم على حماية البيئة والمشاركة الفاعلة في بناء مستقبل أكثر استدامة وتوازناً مع الطبيعة. |
ما هو التعليم البيئي ولماذا نحتاجه؟
يُعرَّف التعليم البيئي، وفقًا لوكالة حماية البيئة الأمريكية، بأنه عملية تهدف إلى تمكين الأفراد من فهم القضايا البيئية بشكلٍ أعمق، مما يساعدهم على اتخاذ إجراءات واعية ومسؤولة لحماية البيئة. ولا يتوقف هذا النوع من التعليم عند تقديم المعلومات فقط، بل يسعى أيضًا إلى تنمية مهارات التفكير النقدي، وتعزيز التعاون الجماعي، وتمكين الأفراد من إدراك وفهم الروابط المُعقدة بين الأنشطة البشرية والأنظمة البيئية.
وتشير منظمة اليونسكو إلى أهمية دمج التعليم البيئي في المناهج الدراسية، باعتباره مفتاحًا لبناء جيل واعٍ وقادر على اتخاذ قرارات مدروسة تدعم الاستدامة. كما يُساهم التعليم البيئي في تطوير مهارات حلّ المشكلات، وزيادة الوعي بالتنوّع البيولوجي، وترسيخ ممارسات مسؤولة في استهلاك الموارد الطبيعية.
كيف يمكن دمج التعليم البيئي في مختلف المراحل التعليمية؟
من المهم أن يكون التعليم البيئي جزءًا من المناهج الدراسية في جميع المراحل التعليمية، لضمان تحقيق تأثير فعّال وأن يرافقهم حب الطبيعة ومواردها في مختلف مراحلهم التعليمية:
- في المرحلة الابتدائية: يُركّز التعليم البيئي على ترسيخ القيم البيئية لدى الأطفال، من خلال أنشطة عملية مثل زراعة الأشجار، إعادة التدوير، واستكشاف البيئة المحيطة بهم من حيوانات ونباتات.
- في المرحلة الإعدادية: تم تعزيز المعرفة البيئية عبر أنشطة ميدانية ودروس تطبيقية، مثل زيارة المحميات الطبيعية ودراسة آثار التلوّث على البيئة ونُظمها.
- في المرحلة الثانوية: يتعلّم الطلاب مهارات أكثر تعقيدًا، مثل تحليل البيانات البيئية وفهم السياسات المتعلقة بالاستدامة.
- في المرحلة الجامعية: يُصبح التعليم البيئي أكثر تخصصًا، مع التركيز على الحلول العلمية والتقنيات الحديثة، مثل الطاقة المتجددة وإدارة الموارد بكفاءة.
الفجوة في التعليم البيئي
يُعاني النظام التعليمي في كثير من الدول من نقص واضح في إدراج التعليم البيئي ضمن المناهج الدراسية. وفقًا لتقريرٍ صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم “اليونسكو” بعنوان “التعلّم من أجل كوكبنا” الصادر في العام 2021، فإن العديد من الأنظمة التعليمية لا تُوفّر للطلاب المعلومات الكافية حول تغيّر المناخ والأزمات البيئية. التقرير أشار إلى أن أكثر من نصف الدول التي تم فحص مناهجها لا تتطرّق إلى تغيّر المناخ، بينما تناولت 19% فقط منها موضوع التنوع البيولوجي.
كما أظهر التقرير أن هناك نقصًا في التركيز على المهارات العملية والاجتماعية اللازمة للتعامل مع القضايا البيئية والمناخية. وفي استطلاع شمل 1600 معلم وقائد تربوي، أعرب ثلث المشاركين عن أن برامج تدريب المعلمين لا تولي القضايا البيئية الأهمية التي تستحقها. استجابة لهذه الفجوة، وضعت “اليونسكو” هدفًا يتمثل في إدراج التعليم البيئي كعنصر أساسي في المناهج الدراسية بحلول عام 2025، بهدف زيادة وعي أجيال الغد وضمان مستقبل أكثر استدامة لكوكبنا.
دور حملات المناصرة في تعزيز التعليم البيئي
في ظلّ هذه الفجوة الواضحة، أصبحت حملات المناصرة التي يقودها الشباب أداة مهمة لدفع التغيير في السياسات التعليمية. من الأمثلة البارزة على ذلك حملة “نريد تربية مناخية في تونس”، التي نجحت في إدراج التعليم البيئي ضمن المناهج الدراسية التونسية، بدعم من غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال منصة “صوت”. هذه التجربة تؤكد أن الضغط الشعبي والمجتمعي يمكن أن يُحدث فرقًا حقيقيًا في النظام التعليمي ويساهم في الإصلاحات المطلوبة.
الأثر الإيجابي للتعليم البيئي على أجيال المستقبل
دمج التعليم البيئي في المناهج الدراسية له تأثيرات إيجابية عديدة على الطلاب والمجتمع، من بينها:
- تعزيز الوعي البيئي: يساعد على بناء جيل يُدرك أهمية حماية البيئة ويتبنّى ممارسات مستدامة.
- تنمية مهارات التفكير النقدي: من خلال تحليل المشكلات البيئية وإيجاد حلول مبتكرة قائمة على المعرفة العلمية.
- تشجيع الابتكار: يحفّز الطلاب على تطوير مشاريع بيئية مستدامة، مثل الطاقة المتجدّدة وإعادة التدوير.
- غرس قيم المواطنة البيئية: يشجّع الطلاب على المشاركة في أنشطة حماية البيئة، مثل حملات التشجير والتنظيف.
- بناء قادة المستقبل: يُمكّن الطلاب من اكتساب المعرفة والمهارات التي تؤهلهم للمشاركة بفعالية في صنع السياسات البيئية.
- دعم الاقتصاد الأخضر: يهيئ الطلاب لسوق العمل في مجالات مثل الهندسة البيئية والطاقة المتجددة.
التعليم البيئي لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة لضمان مستقبل مستدام. إنّ دمجه في المناهج الدراسية بمختلف مراحلها يُمكّن أجيال الغد من مواجهة التحديات البيئية بثقة وكفاءة، ويُساعدهم على أن يكونوا جزءًا من الحل. من خلال ترسيخ قيم الاستدامة، نُعدّ جيلًا يحمل على عاتقه مسؤولية حماية كوكبنا، ويضع أسسًا لعلاقة أقوى وأعمق مع البيئة وقضاياها المختلفة.
ما أسباب فقدان التنوع البيولوجي وتأثيراته؟ والأهم، ماذا نستطيع أن نفعل لحمايته؟
اقرأ المزيد