تيسير طالبة فنون عشرينية ترى أنها غريبة زمنها، ضائعة بين أزمنة لم تعشها إلا في حكايات الآخرين. تتمنى لو كانت في عصر ما يسمّى فيه قابس “جنة الأرض”، قبل أن يأتي ضجيج التغيّرات الصناعية.
على نفس الأرض التي يحرسها  العم صالح بذاكرته الحيّة، تحاول تيسير إعادة كتابة المشهد. بينما يعيش العم صالح في زمن يأسف فيه على التدهور، تعيش تيسير في زمن تسعى فيه إلى  تحويل  هذه الكارثة إلى قضية تغيير، لتصبح صوت جيلها.

شهادة العُمر: ذكريات على خط الحكاية والواقع

“قابس… كانت جنة على وجه الأرض.” قالها  العم صالح بخنقة وعيناه تلمع بالدموع. “كلما أتذكر طفولتي هنا، أشعر أن سنواتي الجميلة اختفت إلى الأبد.”.العم صالح، الرجل الثمانيني هو فلاح من السكان الأصليين من منطقة شنني بقابس لا يجد اليوم عزاءً إلا في ذاكرة الماضي، مردداً لنا بحسرة: “عندما أتذكر أيام الصغر، أدخل في نوبة من البكاء على سنوات من العمر لن تعود مجدداً”.

شهد العم صالح على عصرٍ لم يكن فيه لقب “الجنة” مجرد عبارة أدبية، بل حقيقة جغرافية فريدة. قابس هي الواحة الساحلية الوحيدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث يتعانق النخيل مع أمواج البحر، وهو توازن بيئي منحها خصوبة استثنائية ووفرة اقتصادية اعتمدت  بالأساس على الفلاحة والزراعة والصيد البحري.

تاريخياً، ترسخ هذا الوصف على ألسنة كل من  الرحالة الإدريسي في القرن الثاني عشر ميلادي واصفا إياها بأنها “مدينة كبيرة ذات مزارع كثيرة وفواكه غزيرة”،والتيجاني في القرن الرابع عشر ميلادي مؤكداً الوصف قائلاً: “موضع جنة على وجه الأرض”.

قبل العقود الصناعية، كانت قابس منطقة ساحلية ديناميكية وغنية بالواحات، مدعومة بوفرة المياه من الينابيع العذبة عالية الجودة في مناطق مثل غنوش و وذرف وشنني. هذا الاستقرار المائي دعم الإنتاج الوفير من التمور، والحناء، والرمان، والخوخ والعنب وغيرها من الغلال والخضر. الخصوبة الزراعية لقابس خلقت مجتمعاً  مستداماً قبل أن يُستبدل نموذجه التنموي بالتصنيع الكثيف.

على الساحل، كان خليج قابس (الذي يعرف بالسرت الصغير) يضمّ أوسع حشائش بحرية (Posidonia oceanica) في حوض البحر المتوسط. هذه الحشائش كانت تشكل موطناً بحرياً مهماً للأسماك التجارية، التي اعتمد عليها الصيد الحرفي في فصل الصيف بشكلٍ ثانوي إلى جانب الزراعة.

لكي يروي لنا العم صالح تاريخ قابس قبل السبعينات، استضافنا في حقله بالواحة القديمة بشنني. هناك، يقف منزله الإسمنتي الذي اتخذه مسكناً وملجأً هرباً من ضجيج “الزحف الصناعي” الذي غيّر ملامح المدينة، وبحثاً عن عُزلةٍ تُعيد وصل ما انقطع مع ماضيه، وتقيه النسيان في وجهِ التلوث الذي خنق هواء الواحة.

يقول العم صالح: “يومي كله هنا، وحتى في نومي أحلم أني أفلح الأرض”. كانت تلك سنوات الوفرة: تربة خصبة، ثمار تتدلى من الأغصان، وعيون مياه وفيرة حيث تجتمع العائلة للعمل. واليوم، يختزن هذا الرجل  في قلبه طعم الخضر والغلال الفريد، كما يقف حارساً على البذور الأصليّة للجنةّ الضائعة، رافضاً التخلي عن أرضٍ لم تعد كما كانت.

في نفس الوقت، تيسير طالبة فنون عشرينية ترى أنها غريبة زمنها، ضائعة بين أزمنة لم تعشها إلا في حكايات الآخرين. تتمنى لو كانت في عصر ما يسمّى فيه قابس “جنة الأرض”، قبل أن يأتي ضجيج التغيرات الصناعية.

على نفس الأرض التي يحرسها  العم صالح بذاكرته الحية، تحاول تيسير إعادة كتابة المشهد. بينما يعيش العم صالح في زمن يأسف فيه على التدهور، تعيش تيسير في زمن تسعى فيه إلى  تحويل  هذه الكارثة إلى قضية تغيير، لتصبح صوت جيلها.

تجمع القضية اليوم بين جيلين يفصلهما الزمن ويجمعهما المَصير؛ حيث اتخذ كلٌ منهما من أدوات عصره سبيلاً للمقاومة. ففي خطوةٍ تكسر الجدار بين الماضي والمستقبل، اختارت الشابة تيسير الالتحاق بورشات تدريبية في واحات شنني، لتستقي أسرار الأرض وعراقة الفلاحة من يدي العم صالح مباشرة. وعندما سألناها عن سر هذا التمسك، أجابت: “أحب قابس، وأحلم أن أراها يوماً تعود جنة كما كانت”.

حين تلتقي الأجيال: اختلاف في الأدوات، ووحدة في القضية

إن الفارق بين الأجيال لا يكمن في درجة حب الأرض أو الإحساس بالخسارة، بل في آليات الفعل والاستجابة للأزمات. فكل جيل يتشكل وفق أدوات زمنه، وحدود تأثيره، ومساحة صوته.

 ينتمي العم صالح إلى جيلٍ قدّم أفضل ما لديه بأدوات زمنه: الخبرة، الصبر، والمعرفة المتوارثة. جيلٌ تعلّم من الأرض مباشرة، وحمى التوازن الطبيعي بالفطرة، وعمل بصمت طويل النفس، معتمدًا على التوارث، الصبر، والالتصاق اليومي بالحقول والمواسم. بالنسبة له، كانت حماية قابس فعل حياة؛ فحماية الأرض لم تكن شعارًا، بل نمط عيش: احترام الدورات الطبيعية للمياه والموارد المائية، تنويع المحاصيل، وعدم استنزاف التربة. ما تسميه الدراسات اليوم “استدامة”، كان بالنسبة له بديهة فلاحية.

في المقابل، تنتمي تيسير إلى جيل زاد، الجيل الذي يوصف اليوم  بأنه جيل واعٍ، عملي، وقادر على التغيير والقادر على تحويل القلق البيئي إلى فعل. إنه جيل تحويلي لا انتظاري. جيل يتعامل مع الأزمات البيئية كقضايا اجتماعية، لا وقائع طبيعية. لا يكتفي بالمشاهدة أو الحنين، بل يسعى للتعلم، التنظيم، وبناء بدائل عملية، من الورشات الميدانية إلى الضغط المجتمعي وصناعة السردية الرقمية. هو جيل يرى الأزمة البيئية كقضية عدالة ومستقبل، لا مجرد خسارة للماضي.

ورغم اختلاف الأسلوب، يلتقي الجيلان عند السبب نفسه: الحب العميق للأرض والرغبة في إنقاذ ما تبقّى منها.
العم صالح يحرس الذاكرة والبذور. أما تيسير، فتحوّل هذه الذاكرة إلى فعل. هو يحمل الحكمة، وهي تحمل الطاقة. هو شاهد على ما كان، وهي صوت لما يجب أن يكون.

قابس كما ورثها جيل “زاد”: لغة الأرقام

ما يرويه العم صالح بذاكرته، تؤكده اليوم الأرقام والتقارير. فالجيل الذي ورث التلوث يواجهه بالبيانات، محوّلا إياها إلى أداة مساءلة.

  • خليج الكنوز: تقلصت مساحات حشائش البحر (Posidonia) من 1300 كم² سنة 1970 إلى أقل من 150 كم² سنة 2014.
  • الفوسفوجيبس: تم تصريف أكثر من 500 مليون طن من النفايات السامة في الخليج منذ السبعينات.
  • الخسائر الاقتصادية: قُدرت الخسائر السنوية بـ 105 مليون يورو في العام 2014، وهو رقم يتجاوز أرباح مصانع الأسمدة المحلية بنسبة 115% في العام نفسه. وحدهم الصيادون الحرفيون خسروا ما يقارب 58 مليون يورو، ما يكشف مفارقة صارخة: نموذج صناعي يحقق أرباحًا محدودة، لكنه يراكم خسائر أوسع على المجتمع والبيئة.
  • تدهور حادّ في النشاط الزراعي والواحات. تراجعت زراعة التمور والحناء بسبب نقص المياه وارتفاع الملوحة والتلوث. وتؤكد الشهادات المباشرة، بحسب تقرير التدقيق البيئي والاجتماعي لسنة 2025، انخفاض الغلة الزراعية وذبول المحاصيل بسبب التلوّث الجوي الصادر عن المصنع.

لا تزال الكارثة البيئية مستمرة، وهذه المرة في الهواء. فالعيش في قابس عبارة عن استنشاق مزيج من الغازات الحمضية والمعادن الثقيلة بسبب المجمع الكيميائي، وهو ما تُرجم إلى أكثر من 50 حالة اختناق بين تلاميذ مدرسة واحدة خلال شهرين فقط في خريف 2025، ولا تزال الأرقام تتزايد  في 2026. ورغم قرار الحكومة بتفكيك وترحيل الوحدات الملوّثة منذ حزيران/يونيو 2017، لا يزال التنفيذ معطلاً، فيما تُقدّر كلفة خطة العمل التصحيحية بـ 306 مليون دينار تونسي.

هذا التدمير البيئي لم يكن حادثاً عابراً، بل نتيجة سياسة صناعية استمرّت لعقود دون محاسبة فعلية. خسائر لم تُحتسب يوم اتخاذ القرار، لكنها اليوم تقع بالكامل على عاتق جيل لم يكن طرفًا فيه. بالنسبة لجيل زاد، لم تعد هذه الأرقام مؤشرات بيئية فقط، بل تجربة يومية للعيش في الخطر.

بمعنى آخر: ما كان يحتاج قرونًا ليتكوّن طبيعياً، جرى تدميره خلال عقود قليلة، قبل أن يولد معظم أبناء جيل زد الذين يتكبّدون اليوم كلفة باهظة، بعد أن تحوّلت الوقاية إلى علاجٍ مكلف.

بذور الأمل بين يدي تيسير

في ورش الفلاحة بالواحة، لا تتعلم تيسير فقط كيف تُزرع الأرض، بل كيف يُفهم الزمن. هناك، تنتقل البذور من يد العم صالح، “يد الذاكرة”، إلى يد تيسير، “يد التغيير والمستقبل”.

هكذا، لا تتصارع الأجيال في قابس، بل تتكامل. وبينما يحرس العم صالح الحكمة والبذور، تحمل تيسير الطاقة والأدوات الحديثة للمطالبة بالحق. ومع إطلاق عريضة “أنقذوا خليج قابس” عبر منصة “صوت”، يبدأ جيل زد في كتابة فصل جديد. 

إن الأمل يكمن في هذا العبور السلس للمسؤولية؛ فما دام هناك شابّ يتعلّم من شيخٍ كيف يزرع، وما دام هناك صوت يطالب بحق الأرض، فإن “جنة الأرض المفقودة” ليست مجرد ذكرى بكى عليها العم صالح، بل مشروع حياة تُصر تيسير وجيلها على استعادته.

المصادر المعتمدة في التقرير

1. الدراسات الاقتصادية والبيئية البحرية:

• Loss of ecosystem services from 90% loss of Mediterranean seagrass bed (2023)

2. تقارير التدقيق والخطط الحكومية:

• تقرير التدقيق البيئي والاجتماعي لمواقع المجمع الكيميائي التونسي (جويلية 2025)

• مشاريع التأهيل البيئي لوحدات إنتاج المجمع الكيميائي التونسي (ملف حكومي)

3. الدراسات التاريخية والاجتماعية (Persée):

• Persée: Industrie microlithique de la station de l’Oasis de Grenouch, près Gabès (Tunisie) (1909)

• Persée: Le pouvoir de l’eau dans le Sud-Tunisien (1980)

4. الإحصاءات الرسمية للثروة السمكية:

• Etude statistique de la Pêche en Tunisie (1966)

مركز التراث العالمي (UNESCO World Heritage Centre)

Expertise France (منظمة فرنسية للتنمية الدولية)

أنقذوا خليج قابس

أوقفوا الجرائم البيئية في قابس.. نريد العيش بكرامة!

أضف صوتك