
خريف عام 2023.
آنذاك بدأ كل شيء. بعد مرور أسبوعين على 8 تشرين الأول/أكتوبر، وعقب جولات القصف المتبادل الأولى، التي انطلقت في ذلك التاريخ، تصاعدت موجات التهجير القسري مِن قرى الشريط الحدودي اللبناني. نزفت القرى سكانها، وتحدثت التقارير الصحافية عن آلاف المهجّرين يومياً. بنهاية العام، أصبحت عشرات القرى اللبنانية فارغة تماماً. وقبل أن يبدأ الإعلام التحدّث عن «حرب»، كان أكثر من 90 ألف شخص قد أصبحوا خارج منازلهم وقراهم في مطلع العام 2024، كما وثقت المؤسسات الرسميّة اللبنانيّة الأضرار في 53 بلدة جنوبيّة تعرّضت للقصف الإسرائيلي.
مثل غيمةٍ سوداء، تمددت رقعة الخراب.
في خريف العام 2024، بدأ الإعلام يتحدث عن حرب. لكن من الناحيتين الإنسانية والبيئية، ما بدأت وسائل الإعلام المحلية والدولية بوصفه حرباً، كان في ذات الوقت توسعاً هائلاً في نطاق التدمير الذي أعقب الحرب الأولى التي اعتُبرت أقل وطأة. وعملياً، ما كان يعنيه الأمر، هو أنّ القرى الحدوديّة في جنوب لبنان لم تعُد وحيدةً في مأساتها، إذ انضمت إليها بقيّة القرى في محافظات الجنوب، النبطية، والبقاع، ثم وصلت الحرب إلى قلب العاصمة بيروت وضواحيها، وطالت جميع الأراضي اللبنانيّة. اتسعت الغيمة تدريجياً. لم تعد شبحاً مقلقاً، صارت وحشاً ضارياً. هطلت الصواريخ والقذائف من كل حدبٍ وصوب. يارون، دير سريان، مارون الراس، عيتا الشعب، بليدا، ميس الجبل، حولا، الخِيام، وغيرها من القرى، تُرِكت لوحدها، دون أهلها، تواجه الحرب، ومحاولات النسيان. لم يكن ممكناً أن تُسقَط أسماءها من التداول، لأنّ الأرض، في كل مكان تواجه فيه الاستعمار، تدافع عن نفسها بنفسها، باسمها، تاريخها، وذاكرتها.
في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. عاد السكان، وشاهدوا الخراب عن قرب. خلال تلك الفترة تحديداً، وقبل عودة الحرب، والتهجير في الثاني من آذار/مارس من العام الحالي، أحصى الجنوبيون ما تكبّدوه من خسائر وآلام. هذا التقرير، لا يعرض كل شيء، فالحرب متواصلة، على السهول، الوديان، الأنهار، الجبال، الأشجار، وجميع مصادر الحياة. وكل ما نستطيع إحصاءه، حتى هذه الساعة، هو جانب من الخراب العظيم، الذي يمتد بين 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والأيام الأخيرة التي سبقت تجدد الحرب في شتاء 2026.

(حسين مَلّا / أسوشيتد برس)
الفوسفور الأبيض: سمٌ حارق في قلب الأرض
فور ملامسته الأوكسجين، يشتعل الفوسفور الأبيض. يواصل التهام الجلد حتى يصل إلى العظم. وفي 16 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وبحسب منظمة العفو الدولية (أمنستي)، شنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً عشوائياً، على قرية الضهيرة الحدوديّة، نُقِل على إثره 9 أشخاص إلى المستشفيّات بعد إصابتهم بحالات اختناق. بعدها بشهر، عرفت قرية كَفركِلا المشهد نفسه، بالسلاح نفسه. الفوسفور الأبيض، الذي لا يبحث عن هدفٍ محدد، لأنّه ببساطة، وبالمعنى الحرفي للكلمة، يُحرِق كل شيء.
لا يكتفي بقتل الأبرياء من البشر بل يترك خلفه تربةً محترقة ومسمومة بجزيئات كيميائية تبقى فاعلة بعد القصف، ما يقضي على الغطاء النباتي، ويؤدي إلى تلوّث مباشر في المزروعات ومصادر المياه، كما يسرّع انجراف التربة ويودي بالتنوّع الحيوي إلى التدهور. أما الدخان السام الذي ينبعث منه، والحرائق التي تتبعه، فتعمل مثل أذرع تقبض على عنق النظام البيئي، وتخنقه ببطء. بعد هجمات الفوسفور الأبيض المتكررة، تحوّلت الحقول والأحراج في القريتين، إلى مساحاتٍ شاحبة، متفحمة، وغير قادرةٍ على العودة إلى ما كانت عليه قبل سنوات طويلة. عادت أمنستي ووثقت الهجوم بالفوسفور، المحرّم دولياً، على قريتي ميس الجبل شرقاً، وعيتا الجبل في الوسط. وكما يحدث في معظم حروب الإبادة، يسعى المرتكبون دائماً إلى دفع العالم للتطبّع مع الجريمة.
نظرياً، يحظر القانون الدولي استخدام الفوسفور الأبيض بموجب البروتوكول الثالث من اتفاقية الأسلحة التقليديّة (1980). لكن، وبينما كان العالم يتابع حياته، كانت ملامح الإبادة المبكرة قيد التشكّل في جنوب لبنان، تزامناً مع انطلاقها في غزّة. وقد كشف تقرير رسمي لبناني، أنّ التربة لا تتعرض لتلوث شامل إثر اصابتها بالفوسفور، بقدر ما تنمو بداخلها فيها «خريطة ضرر» غير متساوية تتشكّل في بقعٍ ساخنة، ما ينفي فكرة التسمم الموّحد، ويشير إلى نمطٍ أكثر تعقيداً وخطورة. بوضوح، تبرز الأرقام درجة التدهور، فقد وصلت تركيزات الفوسفور إلى 1858 جزءاً في المليون في بعض المواقع جنوب لبنان، ما يعزز فرضية استخدام قنابل الفوسفور الأبيض، وقد تجاوزت تراكيز معدن الكروم الحدود المسموح بها في 45% من العينات، وصُنّفت 59% من هذه التجاوزات على أنها «مرتفعة جداً»، فيما تجاوزت نسبة الزينك المستويات المسموح بها في 22% من العينات، والنحاس في 9% منها. أكثر من ذلك، عرفت الأرض تلوثاً بالرصاص، في بقعةٍ معزولة من بلدة بوداي البقاعيّة شرق لبنان، بلغ 230 جزءاً في المليون. ومثل هذه الأرقام لا تدل على تلوث كيميائي على درجةٍ عادية، إنما تشير إلى إعادة تشكّل بنية الأرض نفسها، على مستوى عميق.
الأحراج والأشجار: انهيار خط الدفاع الأول
في البيانات الجغرافية، تبدو البيوت كما لو أنّها لم تكن. ركام فوق ركام. لا ذكريات، ولا قصص، ولا حياة مشتركة، جمعت السكان بالمكان. يقول السكان الذين يتابعون الأحداث بمزيجٍ من القلق والألم إنّ الطرقات جميعها جُرِفت، حيث لا أثر لبساتين الزيتون الشاهدة على أعمار القرى اللبنانيّة. والزيتون جزء من هوية جنوب لبنان، إذ تنتج هذه المنطقة نحو 38% من محصول الزيتون في البلاد عموماً، أي أكثر من الثلث، لكن الاعتداءات الإسرائيلية أحرقت ما لا يقلّ عن 65 ألف شجرة زيتون، من ضمنها أشجار معمّرة.
تكبر الخسائر كل اليوم. وعلى المستوى البيئي خاصةً، لا يمكن اختزال التعافي بإعادة شق الطرقات وبناء المباني، أو بتعويض الخسائر المادية، على صعوبة كل ذلك. وفق توصيات صدرت عن تقارير رسميّة لبنانيّة، يجب التعامل مع التعافي بوصفه عملية طويلة، في مواجهة ضرر بيئي عميق، طال الغابات والأراضي الزراعية والنظم البيئية القائمة. نتحدث عن حرائق الغابات، والتلوث الكيميائي الذي فتك بالأتربة، بالإضافة إلى الركام الملوث. كل ذلك ليس مجرد نتائج مؤقتة للحرب، إذ يمثّل تهديداً بيئياً طويل الأمد.

الأنظمة البيئية أكثر من مجرد مشاهد طبيعية خلابة، فهي تشكّل بنية تحتية اقتصادية أساسية، ترتبط بالزراعة والصحة والاستقرار الاجتماعي. لذلك، لا يقتصر الدمار على الأبنية المهدّمة، ويتجاوز الضرر المرئي إلى الضرر الخفي الطويل، الذي يتمثّل بتفكك الأنظمة البيئية، وفقدان قدرتها على الاستمرار. وحسب تقديرات الدولة اللبنانيّة، الضرر البيئي، لم يكن يتوقف عن الانتشار على مساحةٍ جغرافية واسعة، مع تركّز التأثيرات الأكثر حدّة في جنوب لبنان ومحافظة النبطية، وفي فترات اشتداد الاعتداءات الحربيّة على وجه التحديد.
في القطاع الحرجي، لم تقتصر الكارثة على المساحات المحترقة. انهارت وظائف بيئية واقتصادية أساسية. فقد أدى احتراق الغطاء الحرجي إلى خسائر مباشرة في الموارد، من بينها إنتاج الصنوبر والحطب الناتج من الإدارة الحرجية التقليدية، التي تقدّر كلفتها بنحو 6 ملايين دولار أميركي. لكن الخسارة الأعمق تكمن في تدمير خدمات بيئية حيوية، تشمل حماية التربة والحفاظ على التنوع البيولوجي وتنظيم المناخ المحلي. بهذا المعنى، لم تخسر المناطق المتضررة أشجاراً وحسب، لكنها فقدت خطوط الدفاع التي كانت تحمي المجتمعات المحيطة من التعرية والجفاف والانهيار البيئي التدريجي.
من البحر إلى الجبل: احتراق ربع الأرض وأكثر
يتوجب التذكير دائماً، أنّ هذه الأرقام لا تشكّل تقييماً نهائياً للوضع. والوضع يزداد سوءاً، في القطاعين الزراعي والثروة الحيوانية، تبعاً لتصريحات رسميّة لبنانيّة، بحيث تكبّد قطاع الثروة الحيوانية خسائر كبيرة تمثلت في نفوق نحو 1.8 مليون رأس من الدواجن والمواشي، إضافة إلى أكثر من 29 ألف خلية نحل، وما يزيد على ألفي طن من الأسماك. حتى الساعة، طال إجمالي المساحات الزراعية المتضررة تراكمياً بفعل الاعتداءات الإسرائيلية 22.5% من الأراضي الزراعية اللبنانيّة (ما يقارب ربع مساحة الأراضي في لبنان)، الأمر الذي انعكس سلباً وبشكلٍ مباشر على الأمن الغذائي اللبناني، بحيث ارتفعت نسبة المساعدات الغذائية العاجلة من 17% إلى 24%، وهو الأمر الذي جعل مليون شخص من المقيمين على الأراضي اللبنانيّة بحاجةٍ طارئة إلى المواد الغذائية.
ولا بدّ من الإشارة، إلى أنّ صغار المزارعين هم الأكثر تضررًا. تشكّل المساحات المحدودة التي يديرها أفراد أو عائلات نحو 80% من إجمالي الحيازات الزراعية في الجنوب، ما فاقم من انعكاسات الحرب على الأسر الريفية والاقتصاد المحلي. وفي منحى يظهر جانباً من جوانب الحرب الاستعماريّة، لا يزال نحو 78% من المزارعين في جنوب خارج قراهم، وغير قادرين على العودة إليها، مقابل 22% فقط من الذين تمكنوا من البقاء. أما البحر فلا يضحك، وفيه 26 زورقاً غريقاً.

إدارة الركام: مقترحات لعلاج «الكارثة الثانية»
لا يكتفي الركام بكونه ركاماً، ودليلاً إلى ما كان. تحوّل الركام الناتج عن الحرب إلى ما يشبه «الكارثة الثانية»، لا بسبب حجمه الهائل وحسب إنما بسبب قدرته على إنتاج تلوث طويل الأمد. حسب المعطيات الأولية، قُدر مستوى الركام (حتى نهاية الحرب في 2024)، بنحو 16 مليون طن، أي ما يعادل نحو 10 ملايين متر مكعب من الأنقاض الجاثمة على قلب المشهد الطبيعي. ولا يمكن الاكتفاء بتنظيف المكان، فالأنقاض وما يجتمع فوقها وتحتها تُعدّ تهديداً بيئياً مباشراً، لأنّها قد تحتوي مادة الأسبستوس، الطلاءات المحتوية على الرصاص، غبار السيليكا، والمعادن الثقيلة. ويمكن أن يؤدي التخلص العشوائي من هذه المواد في الوديان والغابات والأراضي الزراعية إلى تلوث التربة والمياه وتجزئة الموائل البيئية.
حتى لحظة إعداد هذا التقرير… تم تحديد 40 موقع تخزين مؤقت، مع ضرورة التشديد على أنّ أي تأخير في نقل الركام إلى مواقع نهائية، خاضعة للرقابة، سيزيد من احتمال تحوّلها إلى جزء دائم من المنظر الطبيعي. وتلك ليست سوى كارثة أخرى. حسب التوصيّات، هناك طروحات قابلة للنقاش على مستوى التخطيط والتنفيذ، تفترض نموذجاً يقوم على «التعافي الدائري»، في إطار السعي إلى تحويل الركام من عبء بيئي إلى مورد قابل لإعادة الاستخدام. وقد عرضت وزارة البيئة اللبنانية خطةً لاسترداد وإعادة تدوير نحو 70% من الأنقاض، على أن تستخدم 30% من المواد الخاملة في إعادة تأهيل المحاجر المتضررة، والمحدد بـ 17 موقعاً محتملاً، للتخلص النهائي وإعادة التأهيل، (بينها 4 مواقع عامة و13 خاصة)، مع إعطاء الأولوية للمواقع العامة. لكن، هذا التحول يبقى مشروطاً بعمليات فرز مبكرة للمواد الخطرة، وبإدارة منظمة تمنع الحلول الارتجاليّة. حتى أوائل العام الحالي، كانت التكلفة الإجمالية لإدارة الأنقاض تقدّر بنحو 145 مليون دولار. وبغض النظر عن الأرقام، التي ستتجاوز ذلك الرقم بكثير، لا تكفي إعادة الإعمار إزالة الركام لعودة الحياة، فالأمر يستدعي إعادة تصميم العلاقة بين البنيتين التحتية والبيئة على أسسٍ أكثر استدامة.

خلال 45 يوما من الحرب، وحتى أواخر العام 2024، كانت الحرب قد دمّرت 21 ألفا و700 وحدة سكنية تماماً، كما تعرضت 40 ألفا و500 وحدة أخرى للضرر. ومع أنّ البيوت ليست منشآت بيئية بحدّ ذاتها، إلا أنّه الحديث عن أرضٍ تتعافى غير ممكن من دون الحديث عن أهلٍ يعودون إليها وتعود إليهم، تعرفهم ويعرفونها. وفي ظلّ استفحال الحرب، وتصاعد الأرقام بدرجة كبيرة عما كانت عليه قبل الثاني من آذار/مارس 2026، لا نملك، حتى الآن، معطيات دقيقة، عن عدد الوحدات السكنية المدمرة في جنوب لبنان، ذلك رغم وجود عدد من الأرقام المتداولة إعلامياً، ولا سيما وأنّ الحرب لم تتوقف.
من ناحية بيئية، كل ما يمكن فعله هو المراقبة المستمرة، بموازاة رفع الصوت عالياً ضدّ المنحى الإبادي الذي يطال النظم البيئية في جنوب لبنان بفعل الأعمال الحربية المتواصلة. وأما النتائج السلبية، فحالها حال حزن السكان وهم ينظرون إلى ركام حياتهم المكوّم فوق القرى، وهي آخذة في التعاظم بلا توقف.
تم إعداد هذا التقرير بالاستناد إلى تقارير رسمية صادرة عن جهات حكومية ومنظمات غير حكومية.
تدعو غرينبيس المجتمع الدولي إلى الخروج عن صمته وضمان الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من كامل الأراضي اللبنانية.
اقرأ المزيد

