
| لطالما رصدت التقارير العلمية ارتفاع درجات الحرارة، لكن آثاره باتت اليوم أكثر وضوحًا في حياتنا اليومية. فالأيام شديدة الحرارة التي كانت تمرّ ثم تنتهي، باتت تمتدّ لأسابيع، وتأتي في وقتٍ أبكر من المعتاد، بينما أصبح الحرّ الذي اعتدنا احتماله يستنزف أجسادنا ويعيد تشكيل تفاصيل حياتنا اليومية؛ من ساعات العمل والنوم، إلى استهلاك المياه والكهرباء، وحتى قدرتنا على القيام بأبسط الأنشطة. |
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تعد موجات الحرّ حدثًا استثنائيًا، بل أصبحت واقعًا يتكرّر كلّ عام ويبدو في كل مرة أشدّ من سابقتها. والمفارقة المؤلمة هنا أنّ منطقتنا واحدة من المناطق الأكثر تضررًا من تداعياتها. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، ترتفع حرارة المنطقة بمعدل يقارب 0.4 درجة مئوية كل عقد، أي ما يقارب ضعف المعدل العالمي، وهو ارتفاع قد يبدو صغيرًا بالأرقام، لكنّه يحمل تداعيات كبيرة على الإنسان والطبيعة.
وفي هذا السياق كان عام 2024، الذي كان من بين الأعوام الأكثر حرارة على دول منطقتنا، خير دليل على حجم هذا التحوّل. ففي موسم الحج، توفّي أكثر من 1300 حاج بسبب الإجهاد الحرّاري وضربات الشمس، بعدما بلغت درجات الحرّارة في الظلّ 51.8 درجة مئوية. وبعد أسابيع قليلة من العام نفسه، شهدت مدينة بني ملال المغربية وفاة 21 شخصًا خلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط، مع اجتياح موجة حرّ تراوحت فيها درجات الحرّارة بين 38 و48 درجة مئوية.
ولم يكن عام 2025 مختلفًا، إذ واصلت المنطقة مواجهة موجات حرّ قياسيّة جديدة، في ظلّ تحوّل واضح في طبيعة ظواهر الحرّ الشديد، التي باتت أكثر تواترًا وشدّةً وأطول مدّة. ولا تكمن خطورة هذه الظاهرة في بلوغ درجات حرارة قياسية فحسب، بل أيضًا في استمرار موجات الحرّ لفترات أطول، ما يضاعف الضغط على النّظم البيئية والبشرية، ويقلّل من قدرتها على التعافي، ويزيد الضغط على الموارد المائية ويعزّز مخاطر الجفاف، في منطقة تُعدّ من أكثر مناطق العالم شحًا بالمياه.
وتفاقمت هذه الظروف بفعل ظواهر مناخيّة، مثل موجات الحرّ المرتبطة بقباب حراريّة شهدتها المنطقة هذا العام، والتي أدّت إلى ارتفاع درجات الحرّارة بشكلٍ إضافي واستثنائي في المشرق والمغرب العربي ومصر ودول الخليج. ووصلت درجات الحرارة في الظلّ إلى نحو 49 و50 درجة مئوية في دول مثل العراق وسوريا ومصر، فيما فرضت هذه الظروف ضغطًا هائلًا على شبكات الطاقة في عدد من الدول، من بينها العراق وتونس ومصر واليمن وليبيا، ما أدى إلى انقطاعات طويلة للكهرباء، أثّرت بشكلٍ مباشر على حياة الملايين خلال فترات الحرّ الشديد.
آثار أبعد من ارتفاعٍ في الحرارة
لكن ما تتركه موجات الحرّ خلفها يتجاوز الأرقام بكثير. فهي ليست مجرد ارتفاعات مؤقّتة في درجات الحرّارة، بل واقع يؤثّر بشكلٍ مباشر على حياة الناس اليومية؛ إذ تجعل العمل في الهواء الطلق أكثر صعوبة، وترفع المخاطر الصحيّة على الأطفال وكبار السنّ والنساء الحوامل، وقد تتحوّل في الحالات الأكثر شدّة إلى تهديدٍ مباشر للحياة. ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، يُسجّل نحو 500 ألف وفاة سنويًا حول العالم لأسباب مرتبطة بالتعرّض للحرارة الشديدة.
ولا تتوقف هذه التداعيات عند صحة الإنسان، بل تمتد إلى سُبل العيش والموارد الأساسية؛ فالحرارة المرتفعة تستنزف الموارد المائية، وتُصعّب مواسم الزراعة، وتزيد من هشاشة المجتمعات التي تعاني أصلًا من شحّ المياه. ومع كل موجة حرّ، يصبح إنتاج الغذاء أكثر صعوبة، فيما تتعرّض مصادر وسُبل العيش لضغوط متزايدة، خصوصًا بالنسبة للمزارعين والرعاة وسكان المناطق الريفية.
مستقبل أكثر حرارة في انتظار المنطقة
إذا كان ما نعيشه اليوم يبدو قاسيًا، فإنّ ما تشير إليه التوقعات العلمية أكثر إثارة للقلق. بحسب تقرير غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “على شفير الهاوية”، وفي حال استمرت الانبعاثات ارتفاعها بما يقود إلى تراكم مستويات عالية جداً من غازات الدفيئة في الغلاف الجّوي، فمن المرجح أن تصبح فصول الصيف التي نعدّها اليوم استثنائية هي المعدل الطبيعي في المستقبل، وربما أكثر قسوة. ويشير التقرير إلى أنه بحلول نهاية القرن، قد تواجه نحو 80% من المدن المكتظة بالسكان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موجات حرّ شديدة تستمر لما لا يقلّ عن نصف الموسم الحارّ. كما قد تصبح هذه الموجات أكثر تكرارًا بما يصل إلى ستّ مرات، وأكثر شدّة بما يتراوح بين ستّ وسبع درجات مئوية، فيما قد تمتدّ أطولها لأسابيع عدّة.
وبحسب تقرير غرينبيس نفسه، في ظلّ استمرار مستويات الانبعاثات المرتفعة، قد تتجاوز درجات الحرارة خلال موجات الحرّ الشديدة في بعض مناطق الشرق الأوسط والخليج 56 درجة مئوية. وعندما تقترن هذه الحرارة المرتفعة بالرطوبة العالية، لا يعود الأمر مجرّد شعور بعدم الارتياح، بل قد تصل الظروف الحرارية إلى مستويات تحدّ من قدرة جسم الإنسان على تبريد نفسه، وترفع مخاطر الإجهاد الحراري والأضرار الصحية المرتبطة بالحرارة.
ولا تقتصر هذه التغيّرات على التوقعات المستقبلية، بل تؤكدها البيانات المناخية المسجّلة اليوم. فقد كان العقد الماضي الأكثر سخونة على الإطلاق في أفريقيا، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية. وفي شمال أفريقيا تحديدًا، لا يقتصر التغير على ارتفاع درجات الحرارة، بل يمتد إلى طبيعة موجات الحرّ نفسها. فقد كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة “نُظم الأرض والبيئة” (Earth Systems and Environment) عن تحوّلات مقلقة في دينامية موجات الحرّ في المغرب والجزائر وتونس، حيث أصبحت أكثر تكرارًا، وأطول مدة، وأكثر شدّة مقارنةً بالمعدلات المناخية المعتادة. وتشير هذه الدراسة إلى أنّ هذه التغيرات ترتبط بتزايد تمركز أنظمة الضغط الجوي المرتفع فوق المنطقة، ما يؤدي إلى احتجاز الكتل الهوائية الساخنة لفترات أطول ويزيد من حدّة موجات الحرّ. وتُعدّ المغرب والسواحل المغاربية من بين المناطق الأكثر تأثرًا بهذه التحولات المناخية.
ويزداد المشهد تعقيدًا عندما تتزامن الحرارة الشديدة مع الجفاف، فيما يُعرف بموجات الحرّ المركبة. فعندما يجتمع العاملان، تبدأ سلسلة من التأثيرات المتلاحقة: تتسارع وتيرة تبخر المياه، وتجف التربة، وتتراجع إنتاجية المحاصيل، وتزداد الضغوط على الموارد المائية. وفي الوقت نفسه، تفقد النّظم البيئية شيئًا فشيئًا قدرتها على الصمود؛ فتتأثر المناطق الرطبة التي تشكّل موطنًا لتنوّع بيولوجي غنيّ، ويضعف الغطاء النباتي، بينما تفقد الأشجار أوراقها وقدرتها على توفير الظلّ، الأمر الذي يهدّد الإنسان والطبيعة معًا.
من المسؤول؟
عندما نتحدث عن موجات الحرّ، فإننا لا نتحدث عن ظاهرة طبيعية معزولة، بل عن أحد أكثر أوجه الظلم المناخي وضوحًا، الذي تعيشه مجتمعات بأكملها على الخطوط الأمامية لأزمة المناخ في الجنوب العالمي. فمن المؤكد أنّ انبعاثات شركات النفط والغاز كانت سببًا رئيسيًا في تفاقم موجات الحرّ القاتلة حول العالم.
فبحسب دراسة نُشرت في مجلة “نيتشر” (Nature)، فإن إجمالي الانبعاثات الصادرة عن 180 شركة من كبرى شركات الكربون كان مسؤولًا عن نحو 50% من الزيادة في شدة موجات الحرّ التي شملتها الدراسة. كما وجدت أن موجات الحرّ التي خضعت للتحليل أصبحت أكثر احتمالًا بنحو 200 مرة في المتوسط بين عامي 2010 و2019 بسبب أزمة المناخ الناتجة عن انبعاثات الكربون.
وهنا تكمن المفارقة الأكبر؛ فبينما راكمت شركات الوقود الأحفوري أرباحها لعقود وأسهمت في تعميق أزمة المناخ، تجد المجتمعات الأقلّ مساهمة في هذه الانبعاثات نفسها في مواجهة أقسى آثارها.
في نهاية المطاف، موجات الحرّ أبعد من ظاهرة مناخية عابرة، بل واقع يجعل حياة الناس أكثر صعوبة عامًا بعد عام. إنها تمسّ حقهم في الماء والغذاء والصحة والعيش بكرامة، وتهدّد قدرة مجتمعات بأكملها على الصمود في مواجهة أزمة لم تكن السبب في صنعها.
لأن التغير المناخي يعدّ من أخطر التهديدات التي تواجه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكجزء من مشروعنا التوعوي لمواجهة آثاره والتكيّف معها، نريد أن نسمع منك، ومن المواطنين في جميع أنحاء المنطقة الذين يشهدون على التغيرات من حولهم، تلك التي تسبَّبَ بها الاحترار العالمي.
انضم إلينا