
| حقّق قطاع الطاقة المتجدّدة في المغرب تقدماً مهماً خلال السنوات الأخيرة، وعزّز موقعه إقليمياً في هذا المجال. وبحلول عام 2024، مثّلت مصادر الطاقة المتجدّدة 45% من القدرة الكهربائية المركبة، وأسهمت بنحو 27% من إجمالي إنتاج الكهرباء. ويتيح هذا الأساس القوي للمملكة أن تنتقل إلى مرحلة جديدة: توسيع دائرة المشاركة في التحول الطاقوي، بحيث لا تبقى منافع الطاقة المتجدّدة مرتبطة بالمشاريع الكبرى وحدها، بل تصل أيضاً إلى الأسر والمزارعين والتعاونيات والمقاولات الصغرى والمتوسطة. |
يمكن للإنتاج اللامركزي للطاقة المتجدّدة، ولا سيّما تركيب الألواح الشمسية فوق المنازل والمتاجر والمزارع والمنشآت، أن يؤدي دوراً محورياً في هذه المرحلة. فهو يسمح بإنتاج الكهرباء بالقرب من مكان استهلاكها، ويمنح المواطنين والفاعلين الاقتصاديين فرصة خفض فواتيرهم والمشاركة المباشرة في منظومة الطاقة. كما يمكن لهذا النموذج أن يساعد المغرب على تقليص اعتماده الكبير على واردات الطاقة الأحفورية، والحدّ من تعرضه لتقلبات الأسعار العالمية، ودعم تحقيق هدفه المتمثّل في بلوغ 52% من مصادر الطاقة المتجدّدة في القدرة الكهربائية المركّبة بحلول عام 2030.
منافع تصل إلى الناس والاقتصاد ومنظومة الكهرباء
بالنسبة إلى الأسر، يمكن للإنتاج الذاتي أن يخفض فاتورة الكهرباء وأن يحوّل المستهلك من متلقٍّ للخدمة فقط إلى شريك في إنتاج الطاقة النظيفة. غير أن هذا الاستثمار يصبح مجدياً لعدد أكبر من الأسر عندما يكون من الممكن بيع كامل الكهرباء الفائضة بسعر عادل وشفاف، بما يتيح استرداد تكلفة الألواح خلال فترة زمنية معقولة.
وبالنسبة إلى المزارعين والتعاونيات، يمكن للطاقة الشمسية اللامركزية أن تخفّض تكاليف تشغيل مضخّات الريّ وغرف التبريد وغيرها من المعدات، وأن تساعد على حماية الإنتاج الزراعي وتحسين جودته. أما المقاولات والمحلات التجارية، فيمكنها التحكّم بصورة أفضل في تكاليف الكهرباء وتعزيز قدرتها التنافسية ومرونتها أمام تقلّبات الأسعار والانقطاعات.
هذه المنافع لا تقتصر فقط على المستهلكين، بل تمتدّ إلى الاقتصاد الوطني. فالإنتاج اللامركزي يعتمد بشكلٍ أساسي على استثمارات الأسر والمقاولات، ولذلك يمكنه إضافة قدرات متجدّدة من دون أن تتحمل الدولة وحدها كلفة مشاريع مركزية ضخمة أو قروضاً وضمانات مالية كبيرة. كما يمكن أن يسهم في نشوء سوق محلية للتصميم والتركيب والصيانة والهندسة، ويوزع فرص العمل بين المدن والقرى. وحين تُنتَج الكهرباء بالقرب من مكان استهلاكها، تنخفض أيضاً خسائر النقل عبر المسافات الطويلة، وتتحرّر قدرة في الشبكة يمكن استخدامها لتلبية الطلب المتزايد وربط مناطق أو مشاريع جديدة.
وتفتح منظومة الإنتاج اللامركزي للطاقة المتجدّدة فرصاً أمام البنوك ومؤسسات التمويل لتطوير منتجات تمويلية موجّهة إلى الأسر والمزارعين والمقاولات الصغيرة. لكن التمويل يحتاج إلى قواعد واضحة وعائد يمكن توقعه؛ فكلما كان الحقّ في بيع الفائض واضحاً، والتعريفة عادلة، ومساطر الربط أبسط، أصبح الاستثمار أقلّ مخاطرة وأكثر قابلية للتمويل.
من تنظيم الإنتاج الذاتي إلى تشجيع الإنتاج والبيع
انطلاقاً من هذه الحاجة، بدأ المغرب في وضع إطار قانوني ينظّم الإنتاج الذاتي.ففي حزيران/يونيو 2022، أوضحت وزيرة الانتقال الطاقوي والتنمية المستدامة أن روح القانون رقم 82.21 تقوم على الإنتاج اللامركزي، وأن الهدف هو منح المستهلك الحق في إنتاج طاقته وحقنها في الشبكة، بل والتحول إلى منتج في المستقبل. ويعكس هذا التصور ما يحتاج إليه المغرب فعلاً: إطار لا يكتفي بالسماح بالاستهلاك الذاتي، بل يشجع أيضاً إنتاج الكهرباء المتجددة وبيع فائضها.
صدر القانون رقم 82.21 في شباط/فبراير 2023 ليضع إطاراً قانونياً للإنتاج الذاتي للكهرباء، أياً كان مصدرها أو مستوى الجهد أو قدرة المنشأة. وقد مثّل ذلك خطوة إيجابية مهمة، لأنه حدّد حقوق والتزامات الأطراف وفتح الباب أمام ربط المنتجين الذاتيين بالشبكة. وينص القانون على مسارات مختلفة بحسب حجم المنشأة وطريقة ربطها، من التصريح بالنسبة إلى القدرات الصغيرة، إلى الموافقة على الربط أو الترخيص بالنسبة إلى المشاريع الأكبر.
لكن المادة الأولى من القانون تحصر هدفه في «تنظيم» الإنتاج الذاتي، بينما تتطلب المرحلة المقبلة أن يكون تشجيع انتشاره هدفاً صريحاً أيضاً. فبعض المقتضيات الحالية تجعل منظومة الإنتاج اللامركزي أقرب إلى نموذج للاستهلاك الذاتي فقط، من دون توفير الشروط الكافية التي تمكّن الأسر والمزارعين والمقاولات الصغيرة من أن تصبح منتجة ومورّدة للكهرباء على نحو مجدٍ وعادل.
أين يظل البيع مقيداً؟
أبرز القيود هو سقف بيع الفائض. فالمادة 12 تسمح للمنتج الذاتي ببيع ما لا يتجاوز 20% من إنتاجه السنوي إلى مسير الشبكة المعني. وهذا السقف لا يحد بالضرورة من كمية الكهرباء التي يمكن حقنها في الشبكة، وإنما من الكمية التي يمكن الحصول على مقابل مالي عنها. وبذلك قد تستفيد الشبكة من كهرباء نظيفة موّلت الأسرة أو المقاولة إنتاجها، من دون أن يُعوَّض صاحبها عن كامل الكمية التي ضخها.
يضعف هذا القيد الجدوى الاقتصادية للألواح الشمسية، ولا سيما لدى الأسر ذات الاستهلاك المتوسط. أما الأسر الأعلى استهلاكاً ودخلاً فتستطيع استهلاك نسبة أكبر من إنتاجها مباشرة، ولذلك تسترد استثمارها بسهولة أكبر. وقد يؤدي السقف، على هذا النحو، إلى حصر المنافع في الفئات الأقدر مالياً بدلاً من تعميمها، وهو ما يتعارض مع انتقال طاقي عادل يتيح المشاركة لمختلف فئات المجتمع.
ويزداد أثر السقف في ظل غياب تعريفة واضحة وعادلة لشراء الفائض المحقون في شبكات الجهد المنخفض. فمن الصعب على أسرة أو مزارع أو مقاولة اتخاذ قرار استثماري أو الحصول على تمويل من دون معرفة المقابل الذي ستحصل عليه مقابل الكهرباء التي توردها للشبكة. ويجب ألا تكون التعريفة رمزية أو محصورة في أصحاب الاستهلاك المرتفع، بل ينبغي أن تتيح مردودية معقولة لمختلف المنتجين الذاتيين مع مراعاة تكاليف الشبكة.
كما تقف المساطر الإدارية والتقنية عائقاً أمام الانتشار. فالعتبة الفاصلة بين نظام التصريح ونظام الموافقة على الربط محددة عند 11 كيلوواط، وهي منخفضة بالنسبة إلى عمارة سكنية متعددة الشقق أو مزرعة تحتاج إلى تشغيل غرفة تبريد. وقد يُخضع تجاوزها المشروع لوثائق ودراسات ومسارات أكثر تعقيداً مما يستطيع المواطن العادي أو المشروع الصغير تحمله.
وتحتاج المنظومة أيضاً إلى معالجة احتمال تضارب المصالح عندما يتولى مسير شبكة التوزيع، الذي تتأثر مبيعاته بزيادة الإنتاج الذاتي، النظر في طلبات الربط. كما أن تخصيص أكثر من ربع مواد القانون للمخالفات والعقوبات، وارتفاع بعض الغرامات، قد يوحي بتركيز أكبر على العقوبات والقيود، بدلاً من بناء الثقة وتشجيع المشاركة. ويجب أن تبقى القيود المفروضة لحماية الشبكة مرتبطة بأسباب تقنية شفافة ومثبتة، لا أن تتحول إلى حواجز عامة أمام الإنتاج اللامركزي.
كيف يمكن إصلاح القانون رقم 82.21 وتحسين تنفيذه؟
يبدأ الإصلاح بتعديل الغاية التي يقوم عليها القانون: من تنظيم الإنتاج الذاتي فحسب إلى تشجيعه وتوسيعه، والاعتراف بالمستهلك بوصفه منتجاً محتملاً ومورداً للكهرباء أيضاً. ويقتضي ذلك حزمة مترابطة من التغييرات:
- إلغاء سقف 20% على بيع فائض الإنتاج، وضمان حصول المنتج الذاتي على مقابل عن كامل الكهرباء التي يحقنها فعلياً وتستفيد منها الشبكة. ويمكن معالجة احتياجات استقرار الشبكة عبر قواعد تقنية واضحة، أو التحجيم عند الضرورة، بدلاً من أخذ جزء من الكهرباء دون تعويض.
- الإسراع في اعتماد تعريفة عادلة وشفافة لشراء الفائض على شبكات الجهد المنخفض. وينبغي أن تحقق توازناً بين مردودية معقولة للمنتج الذاتي وتكاليف تشغيل الشبكة، وأن تكون واضحة بما يكفي لتمكين الأسر والمقاولات والبنوك من تقييم الاستثمار وتمويله.
- رفع عتبة 11 كيلوواط إلى مستوى يلائم الواقع العملي، حتى تستفيد المباني السكنية الجماعية والمزارع والمشاريع الصغيرة من المسطرة المبسطة متى لم تشكل خطراً تقنياً على الشبكة.
- تبسيط مساطر الإنجاز والربط والاستغلال، وتوحيدها بالنسبة إلى المشاريع الخاضعة للتصريح، وتقليص الوثائق والدراسات المطلوبة إلى الحد الضروري. كما ينبغي أن تُحترم آجال الرد، وأن يُعتبر عدم الرد داخل الأجل موافقة ضمنية.
- إسناد معالجة التصاريح وطلبات الربط ومراقبة الآجال إلى جهة مستقلة عن مسيري شبكات التوزيع، أو إخضاع هذه العمليات على الأقل لرقابة تنظيمية مستقلة، حتى تُتخذ القرارات وفق معايير تقنية وقانونية موضوعية.
- إعادة التوازن إلى القانون بين التشجيع والجزاء، وتخفيض الغرامات لتتناسب مع طبيعة المخالفات. وينبغي نقل أحكام تحجيم الإنتاج من باب العقوبات إلى الأحكام التقنية، لأنه إجراء مؤقت لإدارة الشبكة وليس مخالفة يرتكبها المنتج الذاتي.
- استكمال النصوص والأدوات التنظيمية الضرورية، بما في ذلك مدونة شبكات التوزيع والقواعد المتعلقة بالتخزين واحتساب الكهرباء المنتجة والمستهلكة والمحقونة. كما ينبغي تحديث قواعد الشبكة لاستيعاب تدفقات الكهرباء في الاتجاهين مع انتشار المنتجين الذاتيين.
- حصر قطع الإنتاج بواسطة العداد الذكي في الحالات التقنية الضرورية لسلامة الشبكة واستقرارها، والفصل الواضح بين هذه الحالات والعقوبات، مع حماية المعطيات الشخصية وعدم جمع سوى البيانات اللازمة لتشغيل الشبكة.
فرصة لتوسيع أثر التحول الطاقوي بعدالة
إلغاء سقف 20% هو أولوية مركزية، لكنه لن يحقق كامل أثره من دون تعريفة عادلة، ومساطر بسيطة، ورقابة مستقلة، وقواعد تقنية مكتملة. وعندما تعمل هذه الإصلاحات معاً، ينتقل القانون رقم 82.21 من إطار يضبط الاستهلاك الذاتي إلى أداة تحفز إنتاج الكهرباء المتجددة وبيعها وتوسع المشاركة في التحول الطاقوي.
شهد المغرب بالفعل تقدماً مهماً في مجال الطاقة المتجددة، مستنداً إلى قاعدة قوية من المشاريع والخبرات المؤسساتية، وإمكانات شمسية وريحية كبيرة، وتوجه واضح نحو الإنتاج اللامركزي. وتتيح هذه المكتسبات فرصة للانتقال إلى مرحلة جديدة توسّع نطاق هذا النجاح، من خلال تمكين المواطنين والمزارعين والتعاونيات والمقاولات من المشاركة الفعلية في إنتاج الطاقة والاستفادة من منافعها. ومن شأن إصلاح القانون رقم 82.21 أن يدعم هذه الخطوة، ويسهم في بناء منظومة كهرباء أكثر كفاءة ومرونة، وتحقيق انتقال طاقوي أكثر عدالة تتوزع منافعه على نطاق أوسع.