رغم الإمكانات الكبيرة للطاقة المتجدّدة والتقدّم التشريعي في مصر، لا تزال عملية الانتقال الطاقي تواجه عوائق هيكلية، من محدودية الربط بالشبكة وصولًا إلى فجوات التمويل التي تُبقي صغار المزارعين والمجتمعات المحلية خارج دائرة الاستفادة. تقدّم الطاقة المتجددة اللامركزية مسارًا عمليًا ومرتكزًا على  المجتمعات للمضي قُدُماً.

يوثّق التقرير  الصادر عن غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومسارات لما بعد النيوليبرالية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وشبكة الاقتصاد الاجتماعي والتعاوني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نتائج طاولة مستديرة عُقدت في 11 شباط/فبراير 2026 بالجامعة الأميركية بالقاهرة، وجمعت ممثلي خمس وزارات وهيئات برلمانية وخبراء قانونيّين وباحثين ومنظمات مجتمع مدني ومزارعين صغار، بهدف رصد العوائق البنيوية أمام الطاقة المتجدّدة اللامركزية في مصر وتحديد أولويات العمل المشترك.

جانب من المشاركين خلال النقاش حول تعزيز حلول الطاقة المتجددة اللامركزية ودعم صغار المزارعين والمجتمعات المحلية في مصر ضمن جهود تحقيق سيادة الطاقة والعدالة المناخية.
جانب من المشاركين خلال النقاش حول تعزيز حلول الطاقة المتجددة اللامركزية ودعم صغار المزارعين والمجتمعات المحلية في مصر ضمن جهود تحقيق سيادة الطاقة والعدالة المناخية.

يعزّز هذا التقرير مفهوم الطاقة المتجدّدة اللامركزية، بما يشمل أنظمة الطاقة الشمسية على الأسطح والمنشأت على مستوى المجتمع المحلي وأنظمة الاستخدام الإنتاجي صغيرة النطاق، كاستجابة استراتيجية لتزايد نقاط الضعف في قطاع الطاقة في مصر، بما في ذلك استمرار الاعتماد المتزايد على الوقود الأحفوري المستورد، في ظلّ عدم الاستقرار الجيوسياسي الإقليمي وأزمة الطاقة العالمية.ويُقدَّم مفهوم الطاقة المتجددة اللامركزية هنا ليس فقط كحل تقني، بل كمحرّك لتحقيق سيادة الطاقة، وتعزيز المرونة الاقتصادية المحلية، وترسيخ العدالة المناخية.

 يولي التقرير اهتماماً خاصاً بصغار المزارعين لأنّ استخدام الطاقة في الزراعة يمثّل أوضح حالة استخدام إنتاجي للطاقة المتجدّدة اللامركزية، ويواجه أشدّ العوائق حدّة، ويرتبط بشكلٍ مباشر بأولويات الأمن الغذائي وترشيد استهلاك المياه والصمود الاقتصادي في مصر، ما يجعله نقطة انطلاق عالية الأثر لتوسيع نطاق الطاقة المتجدّدة اللامركزية.

مشاركون في الطاولة المستديرة حول دور الطاقة المتجددة اللامركزية في مصر، تجمع ممثلين عن الجهات الحكومية والبرلمانية والخبراء والباحثين ومنظمات المجتمع المدني لمناقشة فرص وتحديات الانتقال الطاقي العادل.
مشاركون في الطاولة المستديرة حول دور الطاقة المتجددة اللامركزية في مصر، تجمع ممثلين عن الجهات الحكومية والبرلمانية والخبراء والباحثين ومنظمات المجتمع المدني لمناقشة فرص وتحديات الانتقال الطاقي العادل.

أبرز نتائج الطاولة المستديرة

١. توفّر الطاقة الشمسية مكاسب ملموسة لصغار المزارعين. فقد أبلغ المزارعون الذين اعتمدوا على الطاقة الشمسية عن انخفاض في تكاليف الديزل، وتراجع في نفقات الريّ، وتوسّع في الأراضي المزروعة، وزيادة في استقلاليتّهم في الحصول على الطاقة. ومع مرور الوقت، أصبحت الطاقة الشمسية مسارًا نحو استقرار التكاليف، ورفع الإنتاجية، وتقليل التعرض لتقلبات أسعار الوقود.

٢. الربط بالشبكة هو العائق الأكبر، فالطاقة الشمسية وحدها غير كافية لتلبية معظم الاحتياجات الزراعية. ويستلزم توفير الكهرباء خارج ساعات النهار أنظمة هجينة تربط الطاقة الشمسية بالشبكة. غير أنّ المزارعين يواجهون إجراءات ربط معقدة وغير واضحة، واشتراطات  للطاقة الإنتاجية تستبعد صغار المنتجين، وتأخيرات إدارية مستمرة.

٣. مصر تمتلك إطاراً تنظيمياً قوياً لكن فجوة التنفيذ قائمة يُعدّ الإطار القانوني المصري للطاقة المتجددة متقدماً نسبياً: أحكام الإنتاج الذاتي وأنظمة القياس الصافي والأولوية الوطنية كلها موجودة. غير أن الفجوة بين تصميم السياسات والتنفيذ الفعلي لا تزال واسعة، ولا سيّما للمستخدمين الصغار والمزارعين.

٤. التمويل لا يزال بعيد المنال عن أولئك الأكثر احتياجًا له. إن ارتفاع التكاليف الأولية وطول فترات استرداد الاستثمار وتصاعد أسعار المعدات ومحدودية الوصول إلى التمويل الميسّر كلها عوامل تُبقي الطاقة المتجددة اللامركزية خارج متناول كثير من المزارعين والشركات الصغيرة.

٥. التشتت المؤسسي يُعيق التنفيذ؛ فغياب التّنسيق بين الوزارات والجهات التنظيمية والفاعلين القطاعيّين يُفضي إلى التباس في الإجراءات وبطء في التنفيذ واتساع الهوة بين السياسة والممارسة.

٦. التوعية والدعم الاستشاري غائبان بشكلٍ حادّ. كثير من المستخدمين المحتملين، بمن فيهم المزارعون وصغار المنتجين، غير مطّلعين بشكل كافٍ على الآليات والمزايا المتاحة أو كيفية الاستفادة منها. وقد أكّد المشاركون أن خدمات التوعية والإرشاد ضرورية لكنها شبه غائبة.

٧. نماذج الطاقة التعاونية والمجتمعية مسارٌ مُهمَل. وقد برزت في هذا النقاش أنظمة الطاقة التعاونية والمملوكة للمجتمعات المحلية بوصفها أدوات واعدة لتوسيع نطاق الطاقة المتجددة بطريقة عادلة ومجتمعية. ودعا المشاركون إلى تحليل أعمق للأطر القانونية الممكِّنة والنماذج التمويلية وترتيبات الحوكمة.

٨. السيادة الطاقوية ضرورة استراتيجية. يُعرّض اعتماد مصر المتنامي على الغاز المستورد، بما في ذلك الواردات من إسرائيل، البلادَ لمخاطر انقطاع الإمدادات وتقلّب الأسعار والضغوط السياسية. وقد أطّر المشاركون السيادةَ الطاقوية أي تقليص الاعتماد الخارجي عبر الطاقة المتجددة المحلية أولويةً وطنية للصمود يمكن للطاقة اللامركزية المساهمة فيها مباشرةً.

محاور العمل الأولوية

حدّدت الطاولة المستديرة أربعة محاور متشابكة تستدعي اهتماماً موجّهاً:

من الإطار القانوني إلى التنفيذ العادل: توضيح إجراءات الربط بالشبكة وتبسيط العمليات الإدارية وضمان قدرة صغار المنتجين على الاستفادة الفعلية من آليات كالقياس الصافي.

التمويل وتحديث الشبكة: تطوير آليات تمويل موجّهة بما في ذلك من قروض ميسّرة وهياكل تحفيز للمزارعين وصغار المنتجين، إلى جانب استثمار استراتيجي في البنية التحتية للشبكة.

التنسيق المؤسسي وتكامل السياسات: تعزيز الحوكمة عبر الوزارات والجهات التنظيمية والبرلمان والفاعلين المجتمعيين للحدّ من التشتت ودعم التنفيذ المتكامل.

الزراعة والانتقال الطاقي: وضع سياسات مخصّصة لصغار المزارعين تشمل أنظمة الطاقة الهجينة والحوافز الموجّهة والدعم الفني والمبادرات التجريبية.

عكست الطاولة المستديرة وجود إجماع واضح على أن  الطاقة المتجددة اللامركزية قادرة على أداء دور حيوي وعاجل في دفع مصر نحو انتقال طاقي مستدام وشامل. ويستلزم تحقيق هذا الهدف سدّ فجوات التنفيذ، وضمان إتاحة الأنظمة وتنسيقها، ووضع المجتمعات الأكثر تضرّراً صغار المزارعين والأسر والمنتجين المحليين في مركز هذا التحوّل.

معاً من أجل طاقة عادلة في مصر

هذا التقرير ليس سوى البداية. فمخرجات هذه الطاولة المستديرة تُطوَّر حالياً، بالتعاون مع خبراء ومع مختلف الجهات المعنية، إلى ورقة سياسات تهدف إلى تحويل التوصيات إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.

انضموا إلى مجتمعنا