
يكشف تقرير جديد صادر عن غرينبيس الدولية عن وجود جزيئات بلاستيكية في منتجات أغذية الأطفال التابعة لشركتَيْن عالميتَيْن للسلع الاستهلاكية، ما يثير مخاوف ملحّة بشأن صحّة ملايين الأطفال، لا سيّما لدى الرضّع. |
ظهرت أغذية الأطفال المُعبّأة في أكياس بلاستيكية على رفوف المتاجر الكبرى منذ أقل من عشرين عامًا، ويشهد هذا القطاع توسعًا متزايدًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومنذ ذلك الحين، أصبحت هذه المنتجات العملية والشائعة، المعروفة بمنتجات “العصر والشفط”، أو الأكياس البلاستيكية القابلة للعصر، الشكل الأكثر انتشارًا لتغليف أغذية الأطفال، ما غيّر طريقة إطعام ملايين الأطفال حول العالم. غير أنّ الأدلة الجديدة والمتزايدة تثير مخاوف من أن شركات الأغذية الكبرى تُطعِم أطفالنا البلاستيك، بعواقب لا تزال غير معروفة، من خلال بيع أغذية الأطفال في عبوات بلاستيكية مرنة.
وكشفت الفحوصات التي أُجريت بتكليف من منظمة غرينبيس الدولية عن وجود جزيئات بلاستيكية في منتجات أغذية الأطفال التابعة لشركتَيْن عالميتَيْن للسلع الاستهلاكية، هما “دانون” و”نستله”. وقد لاحظت الدراسة، بعنوان “جزيئات بلاستيكية صغيرة، مشكلة كبيرة: المخاطر الخفية للأكياس البلاستيكية الخاصة بأغذية الأطفال“، وجود علاقة بين نوع البلاستيك المُستخدَم في تبطين الأكياس، وهو البولي إيثيلين، وبعض الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي عُثِر عليها. كما أظهرت الفحوصات وجود مجموعة من المواد الكيميائية المرتبطة بالبلاستيك في كلٍّ من التغليف والطعام في المنتجَيْن.
وتُضاف هذه النتائج إلى مجموعة متزايدة من الدراسات التي تشير إلى أنّ الأطفال قد يتعرّضون بشكل متكرّر لجزيئات بلاستيكية دقيقة ولمزيجِ من المواد الكيميائية المرتبطة بالتغليف. ويُعدّ الأطفال أكثر عرضةً للتأثّر بهذه المواد، نظرًا إلى أنّ أجسامهم وأعضاءهم لا تزال في طور النمو.

أبرز النتائج والاستنتاجات
· كشفت دراسة جديدة أجرتها مؤسّسة “SINTEF Ocean” على منتجات أغذية الأطفال التابعة لعلامة “Happy Baby Organics” من “دانون” Danone وعلامة Gerber من “نستله” Nestlé ، والمُعبّأة في أكياس بلاستيكية مزوّدة بفوّهة، ما يلي:
o مقابل كل غرام من الطعام، تمّ العثور على ما يصل إلى 99 جزيئة بلاستيكية دقيقة في أكياس مهروس الفاكهة التابعة لعلامة “Happy Baby Organics” من “دانون”، وما يصل إلى 54 جزيئة في أكياس الزبادي التابعة لعلامة Gerber من “نستله”، كمعدل وسطي.
o ويعادل ذلك وجود ما يُقدَّر بأكثر من 11,000 جزيئة بلاستيكية دقيقة في كل كيس من منتجات “Happy Baby Organics” التابعة لـ”دانون”، وأكثر من 5,000 جزيئة في كل كيس من منتجات Gerber التابعة لـ”نستله”.
كما حدّدت الفحوصات بصورة أوليّة ما يلي:
· وجود صلة بين نوع البلاستيك المُستخدَم في تبطين الأكياس، وهو البولي إيثيلين، وبعض الجزيئات البلاستيكية الدقيقة التي تمّ العثور عليها في أغذية الأطفال التي خضعت للفحص؛
· وجود مادة كيميائية قد تكون ضارّة بصحة الإنسان في الأغذية والعبوات التابعة لعلامة Gerber من “نستله”؛
· وجود مجموعة واسعة من المواد الكيميائية المرتبطة بالبلاستيك في العبوات التي خضعت للفحص، وكذلك في أغذية الأطفال التابعة لكلتا العلامتَيْن التجاريتَيْن.
تشير الأدلّة العلمية إلى وجود خطرٍ واسع النطاق للتعرّض لهذه المواد. كما أكّدت دراسات أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة وحتى الجزيئات البلاستيكية النانوية يمكن أن تنتقل إلى الطعام من العبوات البلاستيكية في ظل ظروف الاستخدام الاعتيادية. وقد خلُصَت إحدى الدراسات الحديثة إلى أنّ تسخين عبوة بلاستيكية مخصّصة لأغذية الأطفال في الميكروويف لمدة ثلاث دقائق فقط قد يؤدي إلى إطلاق ما يصل إلى نحو 4 ملايين جزيئة بلاستيكية دقيقة، فيما أطلقت عبوة أخرى ما يصل إلى ملياري جزيئة بلاستيكية نانوية لكل سنتيمتر مربع من مساحة التغليف. كما حدّد الباحثون عشرات المواد الكيميائية المتسرّبة من عبوات أغذية الأطفال، في وقت يُصنّف الكثير منها ضمن المواد السامّة المحتملة وغير المُضافة عمدًا. وحتى الجرعات المنخفضة من المواد الكيميائية المُعطِّلة للغدد الصمّاء، خلال مراحل النمو الحسّاسة مثل مرحلة الرضاعة، قد تكون لها آثار كبيرة على الجهاز التناسلي، والنمّو، والتمثيل الغذائي، والصحة المستقبلية للأطفال.
وقد تجاوزت الأكياس البلاستيكية المرنة المزوّدة بفوّهة جميع أشكال تغليف أغذية الأطفال الأخرى على مستوى العالم، وأصبحت أسرع أنواع التغليف نموًا بمعدلٍ سنوي يبلغ 8.18٪ حتى عام 2031، إذ شكّلت 37.15٪ من حجم السوق العالمية في عام 2025. إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن ينمو سوق العبوات البلاستيكية المرنة والمتعدّدة الطبقات بجميع أنواعها، والتي تُعدّ من أكثر أشكال التغليف البلاستيكي إشكالية وتسبّبًا بالتلوّث، بمعدل 5.3٪ سنويًا حتى عام 2035.
يمثّل أي مؤشّر إلى احتمال وجود جزيئات بلاستيكية دقيقة ومواد كيميائية مرتبطة بالبلاستيك في أغذية الأطفال إشارة تحذيرٍ خطيرة تستدعي اتخاذ إجراءات فورية لمنع تعرّض الأطفال لهذه المخاطر الصحيّة المحتملة. ويتعيّن على كل من “نستله” و”دانون” وجميع العلامات التجارية التي تبيع منتجات غذائية معبّأة بمواد بلاستيكية، بما في ذلك العلامات التجارية الخاصّة بسلاسل المتاجر الكبرى وغيرها من الشركات الصغيرة والمتوسطة، القيام بمزيد من التحقيقات وإثبات أنّ منتجاتها لا تعرّض المستهلكين لجزيئات بلاستيكية دقيقة أو لموادٍ كيميائية بلاستيكية قد تهدّد صحتهم. مع العلم أنّ أغذية الأطفال المُباعة في أكياس وعبوات بلاستيكية مرنة لا تمثّل سوى جزء من أزمة التغليف البلاستيكي الأوسع، التي تسهم في نحو 40٪ من إنتاج البلاستيك والتلوّث البلاستيكي عالميًا.
أمّا الحكومات، فهي لا تتصرّف بما ينسجم مع مبدأ الحيطة والحذر. إذ تُبرّر الأدلّة العلمية الحالية المتعلّقة بالجزيئات البلاستيكية الدقيقة والمواد الكيميائية البلاستيكية اتخاذ إجراءات احترازية عالمية ووطنية للحدّ بشكل جذري من تعرّض الأطفال للملوّثات المرتبطة بالبلاستيك، وصولًا في نهاية المطاف إلى القضاء على هذا التعرّض تمامًا. ومع أنّ الأبحاث حول الجزيئات البلاستيكية الدقيقة لا تزال في مراحلها الأولى، فإنّ عدم الحسم العلمي لا يعني غياب المخاطر.
على الرغم من ذلك، لم تواكب الأطر التنظيمية هذا التطوّر، وهي لا توفّر حماية كافية لصحة الناس من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والمواد الكيميائية الخطرة في عبوات الأغذية، كما أنها لا تأخذ في الاعتبار الهشاشة الخاصّة للأطفال الرضّع. في المقابل، تواصل الشركات التوسّع بشكل كبير في إنتاج أغذية الأطفال المعبّأة بالبلاستيك، مع غياب شبه تام للشفافية بشأن اختبارات سلامة التغليف. وفي ظلّ استمرار المفاوضات بشأن معاهدة الأمم المتحدة العالمية للبلاستيك، تدعو غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قادة المنطقة إلى الدفع نحو اعتماد معاهدة قوية ومُلزِمة قانونًا، تُسهم في خفض إنتاج البلاستيك، وحظر البلاستيك الأحادي الاستخدام، ووضع أهداف لإعادة الاستخدام، وتوفير آليات مالية قوية وعادلة لدعم بلداننا في تحقيق انتقالٍ عادلٍ نحو مستقبل خالٍ من البلاستيك.
لا تفوّتوا الفرصة التي لا تتكرّر مرّتين في جيلٍ واحد لإنهاء عصر البلاستيك. ادعموا إبرام معاهدة عالمية فعّالة لمكافحة التلوّث البلاستيكي!
انضم إلينا