
| بقلم غوى النكت، المديرة التنفيذية في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اليوم العالمي للبيئة هذا العام، يُطلب من العالم أن يُنصت إلى الإشارات التي ترسلها الأرض، وأن يتمعّن في الإشارات التي نرسلها نحن في المقابل. إنها مسألة مهمة. ولكن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تعُد هذه الإشارات مجرد تحذيرات بعيدة، بل أصبحت بالفعل صفارات إنذار. |
أكتب هذه الكلمات بصفتي امرأة لبنانية أمضت سنوات في العمل إلى جانب المجتمعات المحلّية في مختلف أنحاء منطقتنا، حيث الأزمات البيئية تتّخذ دومًا أبعادًا تتعدّي البيئة نفسها. ففي منطقة مثقلة أساسًا بالانهيارات الاقتصادية والنزاعات وعدم الاستقرار، لا يُعَدّ تغيّر المناخ مجرد تحدٍّ إضافي نترقّب تبعاته. بل هو العامل الذي يفاقم كل ما نواجهه من مشاكل.
لهذا السبب، لا تشبه النقاشات المتعلقة بالمناخ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دائمًا تلك التي تُجرى في القمم العالمية. فهي لا تقتصر على منحنيات درجات الحرارة، أو أهداف خفض الانبعاثات، أو المهل الزمنية البعيدة. بل تتجسّد في أربعة أسئلة إنسانية أساسية تُطرح يوميًا في مختلف أنحاء المنطقة:
كيف نستطيع تأمين كلفة الغذاء؟
كيف نضمن الحصول على المياه؟
كيف نحافظ على استمرار الكهرباء؟
كيف نحمي أطفالنا من الحرّ الشديد؟
هذه الأسئلة ليست منفصلة عن تغيّر المناخ. بل هي في صميم قضية المناخ. وهي أيضًا أسئلة تتعلق بالكرامة والعدالة والبقاء.
لنأخذ الغذاء مثلًا. تعتمد منطقتنا بشكلٍ كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاتها الغذائية. وهذا يعني أنّ موجات الجفاف، وفشل المحاصيل، واضطراب طرق التجارة، وارتفاع تكاليف الطاقة يمكن أن تؤدّي بسرعة إلى ارتفاع كلفة الوجبات وأن تفرض خياراتٍ أصعب على العائلات. فالصّدمات المناخيّة أو الاقتصادية التي تبدأ في أماكن أخرى من العالم قد تصل بسرعة إلى موائدنا.
أما في حالة المياه، فالمسألة أوضح بكثير. فتُعدّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أساسًا أكثر مناطق العالم شحًا في المياه، ويزيد تغيّر المناخ من قسوة هذا الواقع على المجتمعات والمزارعين والنّظم البيئيّة. لكنّ قصتنا لا تتعلّق بشحّ المياه فحسب، بل هي أيضًا قصة صمود. فعلى مدى أجيال، تعلّم الناس في مختلف أنحاء منطقتنا كيف يتعايشون مع محدودية الموارد المائية، وكيف يحمونها ويستخدمون كل قطرة منها بحكمة.
في المرحلة المقبلة، لن تعتمد قدرتنا على الصّمود على التكنولوجيا الجديدة وحدها. بل ستنبع أيضًا من تقدير المعارف والممارسات واحترام الطبيعة التي ساعدت مجتمعاتنا على البقاء لقرون طويلة.
ثم يبرز سؤالٌ آخر: كيف نحافظ على استمرار الكهرباء؟
تحتضن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موارد هائلة من الطاقة. ومع ذلك، ما زال الحصول على كهرباء موثوقة وبأسعار معقولة غير مضمون بالنسبة إلى ملايين الأشخاص. فمن الأسر التي تعتمد على المولدات إلى العائلات التي تكافح لمواجهة ارتفاع الفواتير، ما زال انعدام أمن الطاقة واقعًا يوميًا يعيشه كثيرون.
ولا يُقاس أمن الطاقة فقط بكمية الطاقة التي ننتجها، بل بقدرة الناس على إضاءة منازلهم، وإدارة أعمالهم، وحفظ طعامهم، والدراسة بعد غروب الشمس، والعيش بكرامة.
ولهذا السبب يُعدّ الانتقال العادل بالغ الأهمية، ليس فقط لأنه يساهم في خفض الانبعاثات، بل لأنه قادر على توفير طاقة أنظف وأكثر موثوقية وأقلّ كلفة، مع استحداث فرص عمل وتعزيز قدرة المجتمعات على الصّمود.
ولدينا أيضًا مسألة الحرارة؛ فمعدلات الاحترار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تبلغ قرابة ضعف المعدل العالمي، مع تجاوز درجات الحرارة 50 درجة مئوية في بعض المناطق. لكن الحرارة ليست مجرّد رقم على المقياس، بل هي واقع يعيشه عامل البناء الذي يقضي ساعات طويلة في ظروف خطرة تحت أشعة الشمس، والمُسنّ الذي يحاول اجتياز ليلة أخرى من دون وسائل تبريد، والطفل الذي يحاول التعلّم في صفّ أصبح شديد الحرارة إلى درجة تعيق التّركيز.
عندما نتحدث عن العمل المناخي، فما نقصده عمليًا هو حماية الناس، وصحّتهم، وسُبُل عيشهم، وقدرتهم على بناء مستقبل في الأماكن التي يعيشون فيها.
وهنا تحديدًا تصبح العدالة المناخية واقعًا ملموسًا. فالأشخاص الذين يتساءلون يوميًا كيف يمكنهم تأمين الغذاء، والحصول على المياه، والحفاظ على استمرار الكهرباء، وحماية أطفالهم من الحرّ الشديد، هم في كثير من الأحيان الفئة التي تمتلك أقلّ قدر من الموارد التي تمكّنها من التكيّف. هُم يتحملون العبء الأكبر من آثار الأزمة، في حين أنهم الأقلّ قدرة على التأثير في القرارات التي ترسم ملامح مستقبلهم.
العدالة المناخية تعني الاعتراف بهذا الخلل. فهي تضمن ألّا تُترك المجتمعات لمواجهة الأزمة بمفردها، كما تمنح الناس صوتًا حقيقيًا في رسم السياسات والاستثمارات والحلول التي ستحدد مستقبل منطقتنا.
لا يمكن تصميم الانتقال العادل نيابة عن الناس، بل يجب أن يُبنى بالتعاون والتشاور معهم.
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعني ذلك طرح أسئلة أعمق حول طبيعة الانتقال الذي نسعى إلى تحقيقه. فالطاقة المتجدّدة ضرورية بلا شكّ، لكنها يجب أن تخدم الناس أولًا. بعبارة أخرى، ينبغي ألّا تتحول الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى نموذج آخر تُستخرج فيه الموارد بينما تتركز المنافع في أماكن أخرى، فيما تبقى المجتمعات المحلية عرضة للهشاشة والتهميش.
إنّ الانتقال العادل الحقيقي يجب أن يستجيب للاحتياجات اليومية للناس. وهذا يعني توسيع نطاق الطاقة المتجدّدة اللامركزية، ودعم الحلول المجتمعية التي تضمن وصول الكهرباء إلى الأماكن التي يعيش فيها الناس. كما يعني الاستثمار في تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة شحّ المياه، وحماية النُظُم البيئية، ودعم المزارعين لإنتاج الغذاء بطرق تتكيّف مع مستقبل أكثر حرارة وجفافًا. وهو يعني أيضًا تبريد مدننا من خلال زيادة المساحات الخضراء، وتظليل الشوارع، وتحسين التّخطيط العمراني، وتصميم المباني بما يخدم احتياجات الإنسان لا أنماط الاستهلاك فحسب.
غالبًا ما تُصوَّر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنها منطقة هشّة فحسب. صحيح أنّ التحديات حقيقية، لكن هذه الرواية تبقى ناقصة. ففي مختلف أنحاء منطقتنا، تعمل المجتمعات بالفعل على بناء الحلول. فالشباب يطالبون بالمساءلة، والمزارعون يعيدون إحياء ممارسات تعزّز القدرة على الصمود، ومنظمات المجتمع المدني تنظم جهودها حول قيم العدالة والأمل. كما تُظهر المدن والمجتمعات المحلية يومًا بعد يوم أنّه يمكن بناء مستقبل آخر.
لذا، فالسؤال الفعلي ليس ما إذا كانت الحلول موجودة أم لا، بل ما إذا كان صانعو القرار يمتلكون صفات القيادة السياسية والشجاعة الكافية لتوسيع نطاق هذه الحلول بالسرعة المطلوبة في ظلّ واقعنا الراهن.
الأرض ترسل لنا إشارات واضحة. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باتت هذه الإشارات أشبه بصفارات إنذار.
لقد حان الوقت لنرسل نحن إشارات بالوضوح نفسه: فيجب أن يحمي العمل المناخي كرامة الناس، ويعزّز قدرتهم على الصمود، ويحقّق العدالة في حياتهم اليومية. كما يجب أن يساعد العائلات على تأمين الغذاء، والحصول على المياه، والوصول إلى طاقة نظيفة وموثوقة، وحماية أطفالهم من مستقبل أشدّ حرارة.
هذا المستقبل ليس مجرّد فكرة بعيدة المنال نكتفي بتخيّلها. بل هو خيار علينا أن نتبناه، وواقع علينا أن نبنيه، مع ضمان أن يكون في خدمة المجتمعات الأكثر تأثرًا بالأزمة، والأكثر قدرة على الإسهام في رسم ملامح الحلول.
تلك هي الإشارة التي تستحق أن نرسلها.
لأن التغير المناخي يعدّ من أخطر التهديدات التي تواجه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وكجزء من مشروعنا التوعوي لمواجهة آثاره والتكيّف معها، نريد أن نسمع منك، ومن المواطنين في جميع أنحاء المنطقة الذين يشهدون على التغيرات من حولهم، تلك التي تسبَّبَ بها الاحترار العالمي.
انضم إلينا

