




| ذهبتُ إلى عرض فيلم “تحت الشمس” وأنا أتوقّع مشاهدة وثائقي عن العمل المناخي. لكنّني غادرت وأنا أحمل شيئًا مختلفًا تمامًا؛ فهمًا أعمق للناس الذين يعيشون على الخطوط الأمامية للأزمة المناخية، وللنّضال المشترك من أجل العدالة الذي يربط بين مختلف مجتمعات الجنوب العالمي. |
كانوا أشخاصًا من خلفيات متنوّعة، وشخصيات مختلفة، ومسارات حياة لا تشبه بعضها، لكن ذلك المساء جمعهم فيلم واحد، ورسالة واحدة، وهدف واحد. كانت هذه الفكرة تراودني وأنا أتأمّل الحضور من حولي في القاعة. وفي تلك اللحظة، لم أعد أشعر بأنني مجرّد متطوّعة في غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتولى تنظيم عرض الفيلم، بل جزءًا من حركة أكبر، تؤمن بأهمية غرس الوعي البيئي في قلوب مجتمعاتنا.
عندما حضرتُ العرض كنتُ أتوقّع مشاهدة فيلم يوثّق نضال المشاركين في مخيّم العدالة المناخية الذي استضافه لبنان في عام 2023. لكنني لم أكن مستعدّة للأثر الذي ستتركه قصصهم في داخلي. باعتباري طالبة في الصحة البيئية، كنت معتادة على النّظر إلى تغيّر المناخ من زاوية علمية؛ أسبابه، وآثاره، والأرقام المقلقة التي تكشف حجم الأزمة. لكن فيلم “تحت الشمس” أعاد تذكيري بأنّ خلف كلّ رسمٍ بيانيّ، وكل صفحة في كتاب، هناك إنسان يحمل قصةً وتجربة حياة كاملة.
كما أنّ خلف اللافتة التي يرفعها المحتجّون ضد “الشركات الكبرى الملوِّثة”، تقف حكايات بشرية؛ منها امرأة من الفلبين تحمل ذكرى والدها الذي اختفى قسراً بعدما دافع عن الأرض ولم يُعرف مصيره حتى اليوم، وفاعلة مناخية من تونس عادت إلى مزرعة عائلتها لتجد الأرض التي كانت مصدر رزقهم قد أنهكتها سنوات متتالية من الجفاف.
لقد خرجتُ من هذا العرض بإحساس متجدّد وتقدير أكبر لقوّة التضامن التي تجمع مجتمعات الجنوب العالمي. فرغم اختلاف هوياتنا وثقافاتنا وتجاربنا الحياتية، هناك ما يربطنا جميعًا: السعي المشترك من أجل تحقيق العدالة المناخية. وقد نجح الفيلم في تجسيد هذا الترابط بطرقٍ لم أكن أتوقّعها. فلم يكن جميع النّشطاء يتحدّثون اللّغة نفسها، لكنهم وجدوا في الموسيقى لغة مشتركة، فتجاوزوا اختلافاتهم من أجل إيصال رسالة واحدة. كانت أصواتهم، التي شكّلتها سنوات من الصمود وتجارب الحياة، تحمل رسالة قوية: الأشخاص الذين يدفعون الثّمن الأكبر للأزمة المناخية هم غالبًا من يقودون النّضال من أجل مواجهتها. ومن خلال مشاركة قصصهم، لا يسلّطون الضوء على أوجه الظّلم فحسب، بل يلهمون الآخرين للتحرّك.
حين انتهى عرض الفيلم، واستمرّت النقاشات بين الحضور في صالة الاستقبال، وجدت نفسي أستعيد أهمية تلك الأمسية. فقد كان الأمر أكثر من مجرّد عرض لفيلم وثائقي؛ بل كان مساحة للّقاء والحوار والتلاقي حول هدفٍ مشترك. والجدير بالذكر أنّ الفيلم بدا وكأنه كبسولة زمنية تحفظ أصوات هؤلاء الشجعان وتُبقي قصصهم حيّة، لتمنحنا من صمودهم القوّة كي نرفع أصواتنا أكثر، ونكون أكثر حضورًا، وأكثر تمسّكاً بحقّنا في التعبير عن آرائنا والتحرّك من أجل تحقيق التغيير المنشود في مجتمعاتنا.
وخلال مشاركتي في تنظيم الفعالية، من التواصل مع المشاركين الملتزمين وتسهيل وتنظيم النقاشات بينهم، أتيحت لي فرصة التعرف إلى أشخاص مُلهمين يحملون تجارب وخلفيات متنوّعة. ومن بين تلك الأحاديث، بقيت قصة واحدة عالقة في ذهني. فقد أخبرني أحد المشاركين عن محميةٍ طبيعية في لبنان أُقيمت من دون إشراك سكان القرى المجاورة أو التشاور معهم، رغم أن تلك الأرض كانت مصدر رزقهم الأساسي، إذ يعتمدون عليها في الزراعة.
في هذا السياق، لم أستطع إلا أن أربط هذه القصة بالديناميكيات المعقّدة وغير المتكافئة بين الشركات العملاقة والمجتمعات الأصلية. في حين تُعدّ التكتلات متعدّدة الجنسيات من أكبر المتسبّبين في انبعاثات غازات الدفيئة، فإنها، بدلًا من خفض بصمتها الكربونية، تلجأ إلى الغسل الأخضر عبر فرض “حلولها” على مجتمعات متضرّرة وأراضٍ قد لا تتوافق هذه الحلول بالضرورة مع واقعها واحتياجاتها. فإنّ تصوّر هذه التكتلات للتقدّم والتنمية يرتبط بالكامل بمعاييرها الخاصة، متجاهلةً عمدًا أن الحلول التي قد تنجح في الشمال العالمي لا تكون بالضرورة ملائمة لواقع واحتياجات دول منطقتنا.
ومن خلال هذه اللقاءات والحوارات التي حصلت، أدركتُ أنّ لكل شخصٍ منا، بطريقته الخاصّة، دورًا يساهم من خلاله في حماية العالم الذي يمنحنا الحياة. فمن قادة المنظمات الذين يقودون المبادرات المجتمعية، إلى الصحفيين البيئيين الذين يسلّطون الضوء على القضايا المحورية ويحاسبون صنّاع القرار، وصولًا إلى المتطوعين مثلي الذين يكرّسون وقتهم وجهدهم لخدمة هذه القضية، فكل خطوة، مهما كانت صغيرة، تساهم في بناء مستقبل أكثر عدلًا.
والآن أنتم أيضًا، أيها القرّاء الأعزاء، جزء من هذا الحراك. فبمجرّد الإصغاء إلى هذه القصص هو خطوة أولى نحو فهم أعمق لحقيقة الأزمة المناخية. لذا، أدعوكم إلى المضي قدمًا بهذه الرحلة، سواء عبر اختياراتكم اليومية، أو من خلال التطوّع مع غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أو ببساطة عبر المساعدة في إيصال أصوات من يستحقّّون أن تُسمع أصواتهم.
ما آمل أن يبقى مع القرّاء بعد مشاهدة فيلم “تحت الشمس” هو إدراك أن تغيّر المناخ ليس مجرّد مسألة بيئية، بل هو قصة ترتبط ارتباطًا عميقًا بالعدالة والتاريخ والتجارب الإنسانية. فأصوات من يتحمّلون العبء الأكبر من هذه الأزمة تستحقّ أن تُسمع، ولنا جميعًا دور في ضمان ألّا تُهمَل هذه الأصوات أو تُنسى. فالتغيير قد يبدأ أحيانًا بأبسط الخطوات: أن نصغي، ونتعلّم، ثم نختار أن نتحرّك.
نبذة عن الكاتبة: سيرين السقا هي شابة لبنانية متطوّعة في منظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتدرس الصحة البيئية. يتركّز اهتمامها على قضايا العدالة المناخية، والمناصرة البيئية، وتعزيز مشاركة المجتمعات في حماية البيئة.
فيلم “تحت الشمس” من غرينبيس، صُوِّر في قلب لبنان خلال صيف 2023، ويوثّق كيف تدفع المجتمعات المحلية الثمن الحقيقي لأزمة المناخ.
شاهد الفيلم