ما يحدث اليوم من عمليات إزالة واسعة النطاق في قرى أراضي طرح النهر عند دلتا النيل ليس سوى محطّة في مسارٍ يعيشه سكّانها منذ عقود؛ حياةٌ تتقاطع فيها هشاشة أوضاعهم مع آثار تغيّر المناخ، وتتعمّق خلاله مأساتهم تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسات الزراعية والمائية الداخلية.
ما يحدث اليوم من عمليات إزالة واسعة النطاق في قرى أراضي طرح النهر عند دلتا النيل ليس سوى محطّة في مسارٍ يعيشه سكّانها منذ عقود؛ حياةٌ تتقاطع فيها هشاشة أوضاعهم مع آثار تغيّر المناخ، وتتعمّق خلاله مأساتهم تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسات الزراعية والمائية الداخلية.

عند حافّة النيل، وعلى أراضي «طرح النهر»، استأجر فلّاحون الأرض منذ عقود من وزارة الريّ لزراعتها موسميًا. وتمتّد هذه الأراضي المنخفضة كشريطٍ يحاذي ضفاف النهر، لكنها تحوّلت مع الوقت إلى تجمّعاتٍ سكنية فقيرة، استقرّ أهلها داخل الحرم المائي المحيط بالأراضي الزراعيّة.

وفي أحد صباحات تشرين الأول/أكتوبر 2025، لاحظ أحد هؤلاء السكان، ويُدعى وليد جلال الذي يبلغ من العمر 32 عامًا، أنّ قاربه الخشبي الصغير يطفو بشكلٍ أعلى من المعتاد. وليد وغيره من سكاّن قرية دلهمو في محافظة المنوفيّة في مصر، يعرفون معنى هذا الحدث؛ أي حين يرتفع منسوب النيل ويغمر الأرض والبيوت قبل أن ينحسر، كما يحدث كلّ عام منذ أن وُلدوا. غير أنّ ما تبيّن لاحقًا هو أنّ ارتفاع منسوب المياه بهذا الشكل لم يعد ظاهرة طبيعيّة بالكامل، وأنّ هناك مؤشرات تربطه بتغيّرات مناخيّة متسارعة.

النوم على الماء

بالتزامن مع غرق القرية، كانت الاستعدادات جاريةً في مدينة بيليم بالبرازيل لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ (COP30)، والذي ناقشت خلاله دول العالم خطط التكيّف مع تغيّر المناخ على مدار 11 يومًا.

وبينما ثار الجدال المُعتاد في كل مؤتمر للأطراف (1) بين دول الشمال، الأكثر إسهامًا في الانبعاثات، ودول الجنوب الأكثر تأثرًا بها، في مسألة حصص الانبعاثات وتمويل التكيّف، كان العشرات من فلاحي أراضي طرح النهر، في دلتا النيل، ينامون على أسطح منازل مُحاصرين بالمياه من كل الجهات، وهم ينتظرون العودة إلى حياتهم الطبيعيّة. لم تنحسر المياه من تلقاء نفسها. عوضاً عن ذلك وبعد أسابيع من الغرق، جاءت الجرّافات الحكوميّة لتهدم القرية، فوجدوا أنفسهم بلا مأوى.

ما يحدث اليوم من عمليات إزالة واسعة النطاق في قرى أراضي طرح النهر عند دلتا النيل ليس سوى محطّة في مسارٍ يعيشه سكّانها منذ عقود؛ حياةٌ تتقاطع فيها هشاشة أوضاعهم مع آثار تغيّر المناخ، وتتعمّق خلاله مأساتهم تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسات الزراعية والمائية الداخلية، إضافةً إلى عوامل جيوسياسية ترسم ملامح مصيرهم وتتحكّم في مستقبلهم.

وليس ذلك فحسب، ففي تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، ارتفع منسوب المياه في فرعي رشيد ودمياط (2)، لتغمر (3) أكثر من ألف فدّان ومئات المنازل في البحيرة (4) غرب الدلتا، ولا سيّما (5) في مراكز إدكو ورشيد وكوم حمادة. وكذلك في محافظة المنوفيّة جنوب الدلتا، حيث تضرّرت قرى مركز أشمون التابع لها، وكانت قرية دلهمو الأكثر تضرّرًا من الفيضان هذا العام، كما أظهرت الصور التي التُقطت بواسطة الأقمار الاصطناعيّة.

في تلك القرى، لم يكن الغرق حدثًا استثنائيًا؛ فعندما يفيض النيل، تصبح الأرض جزءًا من مجراه الطبيعي، إذ إنّها تقع (6) على منسوبٍ أقلّ من سطح الأرض الطبيعيّة في القرى المجاورة بنحو أربعة أمتار، بينما ترتفع عن مستوى النيل بأقلّ من نصف متر، ما يجعلها عُرضةً للغرق مع أيّ زيادة في منسوب المياه. ورغم أنّ الأهالي يتلقّون عادةً تحذيراتٍ مبكّرة من ارتفاع منسوب المياه عبر مكبّرات الصوت في المساجد، فإنّ معظمهم لا يغادرون منازلهم، إذ لا يملكون بيوتًا بديلة ولا قدرةً على تحمّل الإيجارات المرتفعة، فيفضّلون البقاء في مواجهة الفيضان، كما اعتادوا كلّ عام.

فيضان النقاش السياسي

كان الفيضان الذي غمر أراضي طرح النهر العام الماضي (في عام 2025)، والذي تشكّل في منبع نهر النيل الرئيسي على بُعد آلاف الكيلومترات في الهضبة الإثيوبيّة، ثمرةَ موسمٍ مطريّ غير اعتيادي في أعالي النيل.

في خريف العام 2025، تأخرت ذروة الأمطار على الهضبة الإثيوبية، ثم هطلت الأمطار دفعةً واحدة، وبغزارة تجاوزت المعدّلات المعتادة. وكانت توقعات مركز IGAD في شرق إفريقيا (7) قد حذّرت من أمطار تتجاوز الحدّ المتوسط، كجزءٍ من نمط مناخي (8) يتّسم بزيادة الظواهر المناخية المتطرّفة المرتبطة بالاحترار العالمي في شرق القارة (9).

لقد أثّرت هذه التغييرات على الفيضان نفسه، فأصبح أقل انتظامًا وأكثر تقلّبًا، الأمر الذي زاد من صعوبة إدارته وتوقّع أثره. وعندما وصلت الموجة إلى السودان، ثمّ إلى مصر في مطلع تشرين الأوّل/أكتوبر، بدا واضحًا أنّ فيضان هذا العام لم يكن مجرّد فعلٍ طبيعي بحت، بل ساهمت في تشكيله إدارة السدود في دولة المنبع (10).

رغم تكرار مشهد الغرق سنويًا، بقي المشهد سابقًا داخل القرى التي تشهده، ولم يكن يصل صداه إلى خارج حدودها إلا ضمن نطاقٍ محدود. لكن هذا الموسم بدا الأمر مختلفًا؛ فانتشرت صور البيوت الغارقة على مواقع التواصل الاجتماعي، وظهرت في الصحف المحلية والدولية، بعد أن جرى تأطيرها (11) ضمن الجدل السياسي بين القاهرة وأديس أبابا حول تأثير سدّ النهضة الإثيوبي على الفيضان.

اتهمت وزارة الري المصريّة دولة إثيوبيا بإدارة «منفردة ومتهوّرة للسد» (12)، قائلةً إن «أديس أبابا خفّضت التصريفات ثم أطلقتها فجأة مع زيادة الأمطار، ما تسبّب في موجة فيضانية متأخرة، في ما وصفته القاهرة باستعراض سياسي». وردّت إثيوبيا بوصف التقديرات بأنّها مضلّلِة، لتؤكّد أنّ «السدّ ساعد في تنظيم تدفقات المياه لا تضخيمها». أمّا بالنسبة للسودان، العالق بين المنبع والمصب، والمحاصر في حربٍ أرهقت بنيته التحتيّة المتآكلة، فاكتفى بالمعاناة من فيضانات أجبرت مئات الأسر على النزوح (13). 

وفيما انشغلت عاصمتا المنبع والمصب بتبادل الاتهامات، فاض النيل في القرى الأكثر انخفاضًا بالدلتا (14)، ليدفع سكّان القاع الثمن (15). هناك، لم تكن المسألة سياسيةً ولا تقنيّةً، بل واقعًا يعيشه سكّان مقيمون على أراضٍ بسندٍ قانوني هشّ، ويدفعون للدولة رسوماً سنويّة مقابل خدماتٍ محدودة (16) (17). وحين تغمر المياه بيوت السكان وحقولهم، تعيد الدولة توصيفهم كـ”متعدّين” (18).

معادلة خاسرة أم إهمال سياسي؟

كان التعايش مع الخسارة، خصوصًا في قرى مثل دلهمو، بمثابة أسلوب حياة، على مدار أكثر من أربعة عقود. لا يهرب الناس عندما يفيض النهر، بل يتأقلمون كما لو أنّه كان فصلًا من فصول العام. وقد ترك معظمهم المدرسة مبكّرًا بسبب الظروف الاقتصادية السيئة، ويعملون بالأجرة اليومية في المزارع القريبة، بسبب ضآلة مساحات أراضيهم التي لا تتجاوز الفدّان للعائلة الواحدة، وبالتالي لا يتجاوز العائد منها عشرة آلاف جنيه كل ثلاثة أشهر (نحو 213 دولارًا أميركيًا). وبعد يومٍ طويلٍ من العمل في المزارع، يعودون إلى بيوتٍ تتشبّع جدرانها بالرطوبة، وجدران تغطيها طبقاتٌ من الطين والطحالب والفقر.

في كل عام، بين آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر، ينتظرون ارتفاع البحر، كما يسمّون الحدث الذي يطال النهر، من دون أن يعلموا ما إذا كانت المياه ستتوقف عند حدود الأراضي أم ستتسلل إلى منازلهم. ومع ذلك، يبقون، ومع كل فيضان يواجهون الأزمة بمفردهم . في كل بيتٍ يوجد قارب صغير، يربطونه أمام الباب ويستخدمونه للتحرّك بين البيوت والأراضي حين تبتلع الماء الطرقات. وحين تغمر المياه المنازل، يصعدون إلى الأسطح، أو يبنون أكواخاً فوق الأراضي المرتفعة مؤقتًا. وحين تنحسر المياه أخيرًا، يعيدون ترميم حياتهم، يصلحون الجدران، ويزرعون الأرض نفسها من جديد.

رغم محاولات التأقلم، يجعل ضيق الخيارات موسمهم معادلةً خاسرة دائماً: إمّا البقاء في مناطق مهدَّدة بالغرق دوريًا، ومحاولة الاستفادة من الزراعة في مواسم بعيدة عن الفيضان أو من محاصيل قصيرة الأجل، وإما استئجار أراضٍ في مناطق أكثر أمانًا بأسعار تفوق طاقتهم الاقتصادية، تبدأ من نحو 30 ألف جنيه (630 دولارًا أميركيًا) وتصل أحيانًا إلى أكثر من 100 ألف جنيه (2000 دولار أميركي) للموسم الواحد.

لكن تدهور أوضاعهم الاقتصادية يجبرهم في النهاية على المخاطرة. فكما يقول وليد، وهو أب لطفلين، «لو معايا أجيب أرض أو أبني بيت، إيه اللي يقعدني هنا؟ وأتعذب أنا وعيالي؟». يزرع وليد ستة قراريط، أي ما يعادل ربع فدان تقريباً، ومثله مثل غالبية سكّان دلهمو، تدفعهم الحاجة إلى الزراعة حتى في موسم الفيضان، فيجازفون في كلّ عامٍ على أمل أن يكون الفيضان أهدأ هذه المرّة. وهذا العام كان أشد قسوة؛ المياه التي اعتاد سكان القرية أن تنحسر خلال أسبوعين من الفيضان، ظلّت  ثابتة تغمر أراضيهم وتحاصر بيوتهم لأكثر من شهر،. حتّى خلال تلك الفترة، عاشت القرية بلا كهرباء، بعد أن قطعت السلطات التيّار الكهربائي بعد ارتفاع مستوى المياه تحت ذريعة السلامة العامّة، تاركة عائلات بأكملها في ظلامٍ دامسٍ تنتظر تراجع منسوب المياه. 

مظالم على ضفاف النيل

أثار هذا الثبات غير المعتاد في منسوب المياه أسئلة بين الأهالي: ما الذي تغيّر؟ ولماذا طال الغرق؟ وكيف عاشوا شهرًا كاملًا في الماء والظلام من دون أن يخبرهم أحد بما ينتظرهم؟ ويرى باحثان مصريان في قطاع الريّ، طلبا عدم ذكر اسميهما، أنّ استمرار وجود المياه لفترة طويلة هذا الموسم ليس نتيجة الفيضان الطبيعي وحده، بل يعكس تحوّلًا في طريقة إدارة الدولة للنيل. وهنا، يوضح أحد الباحثين أنّ وزارة الريّ اشتكت لسنوات من أنّ البناء داخل أراضي طرح النهر يضيّق مجرى النيل ويعيق حركة المياه في الدلتا، مما يمنع وصولها إلى نهايات الترع خلال ذروة المواسم الزراعية، لكنّها لم تتخذ أي إجراءات جدية لتصحيح هذا الوضع الهشّ. هذه المرةّ، بحسب الباحثين، بدا أن الوزارة اختارت تمرير المياه في المجرى الرئيسي بمعدّلات أعلى من المعتاد، بدلًا من تحويل الفائض السنوي إلى المفيض في توشكى، في ظل احتياجات مائية متزايدة، خاصة مع توسّع المشاريع الكبيرة، ومنها مشروع تحويل ما يقرب من نصف حصة فرع رشيد لصالح مشروع «الدلتا الجديدة» في الصحراء الغربية.

هذا التغيير، كما يقول الباحث الأوّل، قد يكون مفهومًا من الناحية الفنيّة، بما في ذلك استهداف زيادة إنتاج كهرباء السدّ العالي من خلال زيادة تمرير المياه، خصوصًا مع تضاعف كميّات المياه القادمة من المنبع. لكنّه كان ينبغي أن يترافق مع خطّةٍ موازية لحماية المجتمعات الأكثر هشاشة في المناطق المنخفضة. فالمشكلة بحسب رأيه ليست في الفيضان بحدّ ذاته، بل في غياب إدارةٍ انتقاليّة تسبق قراراتٍ كبرى، مثل الإزالات وتدفّق المياه، خصوصًا في مناطق تعتمد بالكامل على الأرض كمصدر للعيش والسكن. 

أما الباحث الثاني، فيؤكد أنّ بقاء المياه في القرى أكثر من شهر بعد الفيضان ليس ظاهرةً معتادة، بل قرار ذو أبعاد سياسية، وتعود المسؤولية فيه إلى وزارة الري التي تدير حركة المياه. ويستدل إلى ذلك بصورٍ التقطت عبر الأقمار الاصطناعية، توضح أنّ الوزارة لم تبدأ في خفض منسوب المياه في قرية دلهمو إلا في اليوم الذي بدأت فيه حملة الإزالات، أي بعد شهرٍ من الغرق.

إفراغ المنطقة من السكّان

في العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر 2025، بدأت الجرافات الحكوميّة إزالة 114 منزلًا كمرحلة أولى (20)، من أصل 300 منزل في قرى طرح النهر، ضمن خطّةٍ واسعة لإزالة التعدّيات على حرم النيل في فرع رشيد. وبنهاية الشهر، كانت الحكومة قد هدمت 327 منزلًا في محافظات البحيرة والقليوبيّة والمنوفيّة، وفقًا لبياناتٍ رسميّة. مع العلم أنّ معظم هذه البيوت والأراضي قائمٌ منذ عقود، ويدفع الأهالي مقابلًا سنويًا للجهة المسؤولة عن إدارة الأملاك الحكوميّة في مركز «شبين الكوم» لاستغلالها، رغم أنّ القانون لا يشرّع البناء في هذه المناطق.

وفي ظلّ هذه الحملة، كانت الجرافات تطيح بالبيوت، فيما وقف السكان على جانب الطريق، يحملون أطفالهم وحقائب صغيرة تحوي ما استطاعوا إنقاذه. «بلغونا قبلها بيومين بس محدش صدق إنهم هيشيلو البيوت»، هكذا يروي طارق الخولي، أحد السكّان، ما حدث. وهو الذي يزرع سبعة قراريط مع أسرته (أي نحو ثلث فدان)، معقباً: «دخلوا هدّوا البيوت ملحقناش نطلّع منها حاجة».

لقد تفرّقت العائلات بعد حملات الإزالة. بعضهم أقام في أكواخ من الخوص، وآخرون لجأوا إلى أقارب في قرى مجاورة، بينما افترش آخرون غرفًا زراعيةً خشنةً تقع على أطراف الحقول. في الوقت الحالي، يعيش طارق، مع المئات من جيرانه، في أكواخ مؤقتة صنعوها بأيديهم، بعد أن هُدم البيت الذي أمضى فيه عمره. كان يستعدّ أيضاً لزفافه قبل نهاية العام، وقد أنهى لتوّه بناء طابقٍ ثانٍ، لكنّ الجرّافات سبقته. أمّا وليد، فاضطر إلى إرسال زوجته وأطفاله إلى قرية مجاورة للإقامة في منزل جدّتهم، بينما يقيم هو في المزرعة التي يعمل فيها في محافظة الإسماعيلية، منتظرًا أيّ حلّ. في ليلةٍ واحدة، فقد قطعة الأرض التي يزرعها والبيت الذي يؤويه. وعلى حدّ تعبيره، لم يعد يعرف «كيف يبدأ من جديد».

مشروع الصحراء الغربية: المستفيدون والمتضرّرون

لم تُعلن السلطات المحلية عن بدائل سكنية للمتضرِّرين، ولم يُفتح باب للتعويض، ولا يعرف الأهالي ما إذا كان سيُسمح لهم يومًا بالعودة إلى الأراضي الزراعية. تعتبر(21) وزارة الريّ هدم المنازل كان إجراءً ضروريًا لما تسمّيه «ضبط النيل»، ولحمايته من الاعتداءات الخطيرة (22). لكن ما جرى في دلهمو، ومثيلاتها من القرى، لا يمكن عزله عن التحوّلات التي شهدها الريف المصري خلال العقود الأخيرة. ففي وقت تتوسّع الدولة في مشاريع الاستصلاح الضخمة في الصحراء، يتراجع حضور الفلّاحين الصغار بسبب حسابات السياسات الزراعية. تدريجيًا، سُحِب الدعم الفنّي والمالي الذي كانوا يتلقّونه، وتمّ توجيهه إلى كيانات استثماريّة كبيرة، تُمنح الأولوية في الحصول على الأراضي والمياه والبنية التحتية، كجزءٍ من توجّه قومي لبناء «ريف مصري جديد»، بهدف دعم الأمن الغذائي في ظلّ زيادة الطلب على السلع الغذائية، فيما تتآكل موارد الريف القديم.

في الصحراء الغربية، خُصّص (23) مشروع «الدلتا الجديدة»، وهو أكبر المشاريع الزراعية الوطنيّة حاليًا، لكبار المستثمرين وحدهم، بدعوى تجنّب تجزئة الأراضي والملكيات إلى قطع صغيرة كما حدث في الأراضي القديمة. لذلك، رفعت الشركة الحكومية المسؤولة عن إدارة مشروع «الريف المصري» (24) أسعار الأراضي المطروحة للاستثمار، بما يناسب المستثمرين الجدد، ما جعل قدرة صغار الفلّاحين في الوادي والدلتا على تحمّل الكلفة شبه مستحيلة. وفي الوقت الذي تُسخّرفيه الدولة مواردها وبنيتها التحتية لخدمة هذه المشاريع الصحراوية (25)، تتقلّص خيارات فلّاحين الأراضي القديمة، الذين يواجهون أزمات المياه وملوحة التربة (26)، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلّبات الطقس (27).

مع تزايد آثار تغيّر المناخ، تتسّع الفجوة بين خطط التكيّف الرسمية وواقع أولئك الذين يعيشون في الصفوف الأمامية لأزمة المناخ لمواجهة نتائجه. تشير تقارير البنك الدولي ومنظمّة الأغذية والزراعة إلى أنّ صغار الفلّاحين في مصر هم الأكثر هشاشة أمام صدمات المناخ (28). ورغم أنّهم يمتلكون نحو نصف الحيازات الزراعيّة (29) وينتجون معظم الغذاء الأساسي للبلاد، فإن أغلبهم يفتقر إلى التأمين الزراعي، ولا يستطيع الحصول على التمويل والتكنولوجيا اللازمة. وبالرغم من ما تعلنه الحكومة من خطط للتكيّف، يبقى غياب مشاركة المجتمعات المحليّة عاملاً يجعل هذه الخطط بعيدة عن أولويات الذين يختبرون آثار تغيّر المناخ يوميًا في أراضيهم وبيوتهم. 

انبعاثات الشمال وحكومات الجنوب

هذا الهامش الضيّق ليس محليًا فقط. وفقًا للصندوق الدولي للتنمية الزراعية، لا يحصل صغار الفلّاحين حول العالم إلا على 1.7% من تمويلات المناخ، رغم أنّهم الأقل إسهامًا في الانبعاثات والأكثر تضرّرًا منها (30). منذ أنّ بدأ الشمال الصناعي سباقه على النمّو(31)، أخذ الجنوب يدفع الفاتورة الأكبر، من الجفاف إلى الغرق. وبينما تتبادل العواصم في الغرب والشرق الاتهامات حول نسب الانبعاثات وتدفّقات السدود، يظلّ أثر تلك القرارات واضحًا هنا، في دلهمو وسواها من قرى الدلتا.

في الخطاب الرسمي، تبدو العدالة المناخية مجرّد أرقام وجداول، وحصص تمويل، وخطط للتكيّف، ومشروعات ضخمة للهجرة نحو الصحراء. أما في دلهمو، فتأخذ العدالة المناخية شكلًا مختلفًا: ما حدث هناك ليس مجرّد تناقض بين ما يُقال في القمم العالمية وما يعيشه الناس في هذه القرى المهمشة، بل اختبارًا عمليًا لمصداقية تصريحات القادة بشأن العدالة المناخية.

لم يكن فيضان هذا العام، كسابقه، مجرّد حدثٍ طبيعي على الإطلاق؛ بل نقطة تقاطعٍ بين تغيّرٍ مناخي يشتدّ، وإدارةٍ مائيةٍ بأولوياتٍ جديدة، وسياساتٍ زراعيّة تفتح المجال أمام كبار المستثمرين وتغلقه في وجه من يزرعون على الحافّة. ما يكشفه هذا التقاطع هو أنّ التكيّف مع تغيّر المناخ لا يمكن أن يُختزل في إدارة المنسوب، أو في رسم لمشاريع جديدة، بل في طريقة توزيع الخسارة: منْ يتحملها، ومنْ يُحمى منها، ومَنْ يُستبعَد من أي تفاوض حولها.

مصادر:

1- مدى مصر: من قمة المناخ إلى قمة النفط.. كيف تحول «كوب» عبر عقود؟

2- المصري اليوم: تحذير عاجل من «المنوفية» بعد غرق 1124 فدانًا من أراضي طرح النهر

3- مدى مصر: فيضان النيل يُغرق أراضي طرح النهر.. الأهالي يستغيثون بالدولة والدولة تهاجم إثيوبيا

4- المصري اليوم: إخلاء مباني وحظائر المواشي بأراضي طرح النهر في البحيرة

5- فيتو: خبير: أراضي طرح النهر في البحيرة والمنوفية أكثر عرضة للغرق لهذه الأسباب

6- المصري اليوم: ما هي أراضي طرح النهر بعد تحذير الحكومة من ارتفاع منسوب المياه؟

7: iGAD : June to September 2025 Seasonal Forecast: Above-Normal Rainfall Expected Across Most Parts of the Greater Horn of Africa

8: Future Changes in Climate and Hydroclimate Extremes in East Africa

9: IPCC Sixth Assessment Report

10-  وزارة الرى والموارد المائية السودانية: إنذار فيضان.

11- اليوم السابع: المنوفية والبحيرة فى دائرة الخطر.. ارتفاع منسوب النيل يغرق الأراضى والمنازل.. وتحذيرات من تعديات طرح النهر.. وزارة الرى: الإدارة العشوائية لسد النهضة تفتعل فيضانًا صناعيًا يهدد دول المصب

12- بيان وزارة الموارد المائية والري المصرية: فيضان نهر النيل والإدارة الأحادية للسد الإثيوبي المخالفة للقانون الدولي

13- قناة الحدث: الدفاع المدني السوداني: خمسة مناطق بالخرطوم تعرضت للفيضان

14 – Reuters : Surging Nile waters inundate Egypt and Sudan, revive dispute over Ethiopian mega-dam

15 – فيضان النيل يُغرق أراضي طرح النهر.. الأهالي يستغيثون بالدولة والدولة تهاجم إثيوبيا

16 – نشرة مدى مصر: توجيهات بإخلاء أراضي «طرح النهر»..ومصادر تنتقد تنصل «الري» من مسؤوليتها

17 – بيان «وزارة الري» المصرية :بشأن «المتعدين» على أراضي الدولة

18 – الشروق : مدبولي: أراضي طرح النهر جزء من النيل.. ولا يجوز البناء عليها أو زراعتها

19- مدى مصر: «چريان» يروي الصحراء بعطش الدلتا     

20- بيان «وزارة الري» المصرية : بشأن حملات إزالة التعديات على مجرى نهر النيل – فرع رشيد

21-  بيان «وزارة الري» المصرية : فيديو بشأن الحملة الموسعة لإزالة التعديات على نهر النيل – ضمن حملة «المشروع القومي لضبط النيل»

22 –  البوابة نيوز: محافظ المنوفية يتابع جهود إزالة التعديات الخطرة على أراضي طرح النهر

23- مدى مصر: لمن الأرض اليوم؟ مستقبل مصر

24 – موقع شركة تنمية الريف المصري الجديد

25- مدى مصر: «چريان» يروي الصحراء بعطش الدلتا     

26: شبكة سيادة: التغير المناخي وتملّح الأراضي يعمقان معاناة فلاحي دلتا النيل

27- مدى مصر: أراضينا المنهكة.. والجو المتقلب

28-  FAO: «Towards climate‑smart agriculture in Egypt: Scaling up sustainable practices for enhancing agrifood system resilience and adaptive capacity»

29- مجلة الاقتصاد الزراعي والعلوم الاجتماعية المجلد ١٣ (٧): ٢٧١- ٢٧٨، ٢٠٢٢: رؤى الزراع حول مشكلة التفتت الحيازي وآليات تجميع الحيازات المفتتة في محافظة المنوفية

30- IFAD: Examining the Climate Finance Gap for Small-Scale Agriculture

31 – مدى مصر: من قمة المناخ إلى قمة النفط.. كيف تحول «كوب» عبر عقود؟

تحدّيات المناخ والسياسات النيوليبرالية: قراءة في واقع الزراعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
تحدّيات المناخ والسياسات النيوليبرالية: قراءة في واقع الزراعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تأتي هذه السلسلة من المنشورات الاستقصائية التي تضمّ ستة مقالات رأي معمّقة، نتيجة تعاون بين شبكة سيادة ومنظّمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

اطّلع الآن